مدمن المسرح أويس مخللاتي: أشتاق إلى الشام

02 مارس 2016
الصورة
أويس مخللاتي (فيسبوك)
+ الخط -
متمرد منذ الطفولة على كل القيود الاجتماعية والمسلّمات، باحث عن الحقيقة ليس كما يقدمها له من سبقوه في تجربة الحياة بل عن طريق الشك وطرح الكثير من الأسئلة، كوّن فلسفته الخاصة رغم صغر سنه فلا مثل أعلى له، يرى بأنه هو وحده من أثّر في شخصيته وعمل على تشكيلها حتى وصل إلى من يكون اليوم، رافضٌ الفشل والاستسلام رغم كل الظروف، لم يدله أحد على الطريق بل قرر منذ عمر صغير أن يشقه وحيداً مواجها صعوبات الحياة، ففُصل من مدارس سورية وهو لا يزال في الصف الخامس الابتدائي بسبب رفضه الانصياع لعقوبات وأوامر غير إنسانية كانت إدارة المدرسة تفرضها على الطلاب. إلا أنه باشر دراسته في مدرسة جديدة بعد حصوله على العفو، ليقرر مجدداً مغادرة مقاعد الدراسة بعد حصوله على الشهادة الإعدادية.


هو الممثل السوري أويس مخللاتي، مواليد 1986 وخريج قسم التمثيل في المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق لسنة 2012.

بدأ العمل والاعتماد على نفسه بسن مبكرة فعمل في محل تحف وهدايا بعمر الخامسة عشرة، كانت مهمته نقل البضاعة من وإلى المحل، إلى أن أسس عمله الخاص، فكان يشتري قطعا بالجملة ويعيد توزيعها على المحلات مستخدماً دراجته الهوائية.

في السابعة عشرة من عمره ترك منزل أهله بعد مواجهات طويلة معهم واستأجر غرفة بحي باب توما في دمشق. وهناك وخارج أوقات العمل أصبح مهووساً بالقراءة، فأسس مكتبة صغيرة من مجموعة كتب كان يشتريها من على البسطات الموجودة تحت جسر الرئيس، يقول "كنت أمر من هناك خلال تنقلي على الدراجة للعمل، وكانت تلفتني الكتب فأنتقي عشوائيا بناء على العناوين، فلسفة...مسرح... علم نفس، لفتني المسرح بشكل خاص وجذبتني الرواية فصرت أتخيل الشخوص وشعرت بضرورة إحياء بعضها لتصبح من لحم ودم".


من أول الشخوص التي جذبته شخصية "الكذاب" من قصة قصيرة لتشيخوف، وشخصية "العفصة" من مسرحية طقوس الإشارات والتحولات لسعد الله ونوس، والتي تقدّم بها فيما بعد لامتحان القبول في المعهد المسرحي. يقول "سحرتني تلك العوالم المتخيلة، فخطرت ببالي فكرة التمثيل كوسيلة لإيحاء شخصيات أدهشتني أثناء القراءة، وحينها علمت من أصدقاء لي بأن هناك مكاناً لدراسة التمثيل وهو المعهد العالي للفنون المسرحية، إلا أنني أحتاج للحصول على الشهادة الثانوية لأتمكن من التقدم إليه".

أصبح المعهد حافزه للحصول على الشهادة الثانوية ولكنه فشل في محاولته الأولى، فقرر الالتحاق بالخدمة العسكرية وهناك تقدّم من جديد لامتحان الثانوية ونجح، وقبل تسريحه من الجيش تقدم إلى المعهد المسرحي ونجح بفحص القبول "المعهد كان تجربة جديدة رغم تنوع تجاربي السابقة، كان عالماً غنياً بكل ما فيه، وبقدر ارتباط مهنة التمثيل بالحياة بقدر اختلاف تفاصيل المعهد عن الحياة المحيطة به".


تميز أويس وبرز بين أقرانه خلال سنوات الدراسة، تميزه ذلك لم يخف عن كل من رآه على خشبة المسرح آنذاك، فلم يكن مستغرباً أن يشارك بعروض احترافيه قبل تخرجه ومنها مسرحية "راجعين" إخراج "أيمن زيدان" ومسرحية "الآلية" من إخراج "مانويل جيجي".
لم يكن قد مضى على تخرجه سوى أشهر قليلة حين بدأ الوضع يسوء في سورية فاضطرته الظروف أن يغادرها إلى لبنان بشكل نهائي، في بيروت شارك بعملين مسرحيين، الأول بعنوان "تيكيكارديا" إخراج جميل أرشيد، والثاني "فوق الصفر" إخراج أسامة حلال. يقول "المسرح بالنسبة لي إدمان إذ يغريني اللقاء المباشر مع الجمهور والذي لا يتحقق إلا في المسرح".

يرى أويس أن مغادرته لدمشق بعد فترة قصيرة من تخرجه لعبت دوراً في تأخر فرصته في التلفزيون حتى الآن، فمشاركاته قليلة جدا وبأدوار صغيرة، كدوره في مسلسل "ياسمين عتيق" إخراج مثنى صبح ومسلسل "العراب نادي الشرق" إخراج حاتم علي. "لم تُعرض علي حتى الآن شخصية مميزة، وأهمية الدور بالنسبة لي ليست بالحجم وإنما بمقدار ما يجذبني للعمل عليه، وبمقدار ما أبذله من مجهود لتقديمه بشكل لائق. إضافة إلى أن التلفزيون يتميز عن المسرح بأنه يحقق انتشارا أكبر للفنان ولأفكاره".

إقرأ أيضاً: دمشق..مسرح مفتوح على الأحزان

بدأ العمل بالدوبلاج وهو طالب وحينها كان السبب مادياً، إلا أنه ما لبث أن أصبح اسماً مهماً في الكثير من الأعمال وأهمها "العشق الأسود" مؤدياً بصوت متين، ومسلسل وادي الذئاب بصوت حكمت، ومسلسل آل كاراداغ بصوت غول علي، يقول "تورطت تدريجيا في العمل بالدوبلاج، واليوم أصبحت أستمتع جدا كوني لا زلت في نفس إطار مهنتي الأساسية، الممثل الموهوب برأيي هو من يستطيع أن يضع بصمته المميزة في أي عمل فني أيا يكن نوعه".

ثلاثون عاماً فقط هو عمر أويس اليوم، سنوات قليلة إلا أنها غنية بالأحداث عاشها بجنون وتهور محطماً كل القيود، مبحراً داخل روحه باحثاً عن أناه، بوصلته الحب. فالحب برأيه سينتج حباً بالضرورة، يعيش اليوم في بيروت التي تربطه بها قصة حب قديمة، يقول "بيروت مثلي مرت بالكثير من التجارب إلا أنها رغم كل شيء تواقة للحرية ولا تقبل التنازل عنها مهما كانت الظروف".

دمشقي الأصل والمنشأ، عاش حياته بين أحياء تلك المدينة، لا يستطيع أن يتخيل مستقبله بعيداً عنها، فيتمنى لها ما يتمناه لنفسه من مستقبل أفضل. "أتمنى أن تعود دمشق لما كانت عليه في الخمسينيات، حين كان هناك ثلاث وخمسون جريدة تصدر يومياً، وحين كان للنساء قوة فعلية على الأرض، دمشق التي سمعت عنها من حكايا الجدات وقرأت عنها في كتب التاريخ. أشتاق لتلك المدينة التي لم أعرفها، كما أشتاق لصورة سورية الحقيقية التي رأيتها حين كنت مراهقاً في مسلسل "خان الحرير" إخراج "هيثم حقي". برأيي كان هناك فرصة لتستعيد دمشق ذلك التألق عندما كانت عاصمة للثقافة العربية سنة 2008، حينها كانت العروض المسرحية والموسيقية منتشرة في كل مكان، وكنت أرى السوريين من مختلف الفئات الاجتماعية يتوافدون لحضور تلك العروض بشغف، إلا أنها كانت مجرد مرحلة آنية انتهت مع انتهاء الحدث، ولو تم تطوير تلك الأفكار وخلق استمرارية لها لكانت دمشق وسورية كلها اليوم برأيي في مكان آخر مختلف ومهم".

إقرأ أيضاً: بانتظار لم الشمل: حكايا الفراق السوري

دلالات

المساهمون