مدرّس دين عبقري

11 نوفمبر 2014
الصورة
أزمة الطلاب مع المدرسين لا تنتهي (GETTY)
معظم مدارسنا وجامعاتنا لا تقدّم إلاّ القليل من التثقيف، إلى جانب التعليم. فللغرابة، يشذّ التعليم عن التثقيف في مؤسساتنا التربوية. ويخرج معظم الطلاب إلى ميدان العمل، ببعض المهارات الحسابية والمحفوظات، من دون أن يكون لهم القدرة على التحليل وبناء الرأي على أساسه.
وبالتأكيد، فإنّ من يطرقون درب الإبداع، هم، في الغالب، ممن شذّوا عن المناهج التعليمية القائمة. أولئك الذين عملوا على تثقيف أنفسهم، بعيداً عن الالتزام بهدف النجاح فحسب.
ليس في الأمر سوءاً أن يكون الشخص متعلماً غير مثقف، إذا كان في بلد يفتح فرص العمل لكلّ شخص بحسب اختصاصه. لكنّ المعضلة الكبرى أن يكمل الطالب الملتزم بالمنهاج الدراسي، مرحلة تكوينه الثانوي ومن بعده الجامعي، من دون أن يجد فرصة العمل الملائمة لاختصاصه. فنجده متعلماً متبطلاً مفلساً ثقافياً.
المشكلة إدارية بقدر ما هي منهجية.
في مدرستي الثانوية كنا أكثر من خمسين طالباً وطالبة، في غرفة لا تتعدى 16 متراً مربعاً. نجلس ثلاثة ثلاثة، على مقاعد لا يتسع الواحد منها لأكثر من اثنين، في العادة.
معظمنا لم يكن يأتي إلى المدرسة لطلب العلم. والشغب ليس مجرد ضيف على الفصل، بل صاحب بيت، لا تُعرف أسبابه وبداياته ونهاياته، ولا يمكن حصر المتسببين به.
مثل هذا الوضع كان يسبّب لمدرّسينا نوعاً من الجنون اليومي. هم أيضاً، من أولئك المتخرجين -إن كانوا كذلك- الذين التزموا بالمنهاج التعليمي. فلم يعملوا في اختصاصاتهم، واختاروا التعليم مجبرين.
والمدارس الحكومية المجانية، والأهلية نصف المجانية، لها ضريبتها حتماً. والضريبة تقع على الطرفين، المدرسين والتلاميذ. فلا المدرسون يعرف معظمهم أبعد من كتاب يحمله ويملي على الطلاب منه. ولا الطلاب جاء معظمهم لتلقي العلم فحسب.
شغب الطلاب وإزعاجهم المستمر للمدرّسين معهود. لكنّ من جاءوا منهم لتوسيع مداركهم، أبعد من تلقين وحفظ، لا يجدون ما يطلبون لدى المدرّسين. فيقع الأمر على عاتقهم وحدهم، ليثقفوا أنفسهم بأنفسهم.
أغرب المدرّسين كانوا دائماً مدرّسي الدين. فأصحاب السماحة أولئك، هم الأكثر عنفاً. أحدهم كان لي مدرّساً في الصف الأول الثانوي. كنّا مزعجين بالتأكيد- نحن الذكور. وعلى تعصّبه وربطه كلّ شيء بالمقدسات، كان عنيفاً تجاهنا بشكل غريب. لكنّه في أحد الأيام شعر باليأس منا، أو ربّما تلقى إنذاراً ما بخصوص وسائل القصاص. هنا تفتقت عبقريته، وأعلن لنا بكلّ وضوح: "من لا يودّ حضور فصلي، فليخرج الآن".
ربّما تفاجأ حين لم يبقَ معه أحد. ولم يُعِد الطلب بعدها.