محمد الطرابلسي لـ"العربي الجديد": الإصلاح قبل فوات الأوان

06 ديسمبر 2017
الصورة
خلفية الطرابلسي نقابية (العربي الجديد)
+ الخط -



اعتمدت دولة ما بعد الاستقلال في تونس نظاماً تضامنياً للتغطية الاجتماعية يفرض على الدولة أن تلعب الدور الأول في ضمان الحقوق الاجتماعية للتونسيين، فيقع على عاتقها ضمان مجانية الصحة والتعليم وضمان دعم العائلات المعوزة والتغطية الاجتماعية بعد التقاعد. لكنّ واقع منظومة التغطية الاجتماعية اليوم أضحى كارثياً، بعد العجز المالي في الصناديق الاجتماعية، فلم تعد قادرة على أداء مهمتها خصوصاً مع ارتفاع نسبة الطبقة الفقيرة إلى عشر سكان البلاد. وزير الشؤون الاجتماعية محمد الطرابلسي، صاحب مسيرة نقابية طويلة وأحد المختصين في ملف الضمان الاجتماعي، يجيب عن أسئلة "العربي الجديد" حول عجز الصناديق واختلال التوازن الاجتماعي وجملة الإصلاحات المزمع إجراؤها "قبل فوات الأوان" كما يقول.



- في البداية، هناك رأي يقول إنّ اختيارك على رأس "الوزارة الموقوتة" في جانب منه يعود إلى مسيرتك النقابية في صلب الاتحاد العام التونسي للشغل وذلك لتفادي أيّ مواجهة ممكنة معه من خلال هذه الإصلاحات، هل تتفق مع ذلك؟

مما لا شك فيه، أنا على اطلاع مسبق بأهمية هذه الحقيبة وحساسيتها، فوزارة الشؤون الاجتماعية طرف في معادلة السلم الاجتماعي، وإذا ما أخلت بتعهداتها أو تصادمت مع الأطراف النقابية فإنّ السلم الاجتماعي سيتعرض إلى خطر خصوصاً مع ارتفاع منسوب الاحتقان في البلاد. هي ليست حقيبة "موقوتة" طالما واقع الحريات اليوم يضمن الحق في التنظيم والاحتجاج، وهو حق دستوري تضمنه الدولة الديمقراطية، ويعتبر من أهم المكاسب الموجودة والمكفولة للمواطنين والمنظمات للمطالبة بحقوقهم والتنفيس عن غضبهم والاحتجاج. اليوم، يمكن للتونسيين إنشاء جمعيات وتنسيقيات ونقابات والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وهذا أمر صحي جداً ولا يمكن أن يكون مصدر تهديد بل يظل تعبيراً ديمقراطياً عن واقع صعب. علينا أن نصارح شعبنا بحقيقة الوضع، وعليه أن يفهم أنّ الظرف صعب وأنّ البلاد عند مفترق دقيق جداً، فإما أن ننجح في امتحان الحريات والعدالة الاجتماعية أو نتحول إلى تجربة غير ناجحة تعيدنا إلى الدكتاتورية. علينا أن نتعاون ليكون هذا المناخ من الحريات والضغط والاحتجاج عاملاً للبناء ونجاح التجربة وليس عاملاً للتهديد.

- المجلس الوطني للحوار الاجتماعي ضرورة ملحّة اليوم لضمان السلم الاجتماعي فلماذا تأخر تكريسه؟

مجلس الحوار الاجتماعي الذي صادق عليه البرلمان في الصيف الماضي سيضم جميع الأطراف؛ حكومة ونقابات وأصحاب رؤوس أموال. تنكبّ الوزارة الآن على التفاوض مع شركائها من الأطراف الاجتماعية حول النصوص الترتيبية المنظمة لعمله وطريقة اتخاذ القرار داخله، وسيكون جزءاً من مسار تحقيق العدالة الاجتماعية وامتصاص الاحتقان.

- من بين أسباب هذا الاحتقان عجز الصناديق الاجتماعية ومخاوف التونسيين من توقف الجرايات (التقديمات) كيف وصلت الصناديق إلى هذا الوضع المتأزم؟

الصناديق الاجتماعية في حالة عجز الآن وتستوجب إصلاحات عاجلة. عند وضع هذه المنظومة كانت جلّ المعطيات الديموغرافية والاقتصادية مغايرة تماماً، فقد كان أمل الحياة عند الولادة (العمر المتوقع) منخفضاً مقارنة بأمل الحياة عند الولادة اليوم الذي يصل إلى أكثر من 75 سنة، ولهذا انعكاس على حالة الصناديق، فالمشمول بمنظومة الضمان يتمتع بتقديمات تقاعد على امتداد متوسط يبلغ 15 سنة بعد التقاعد، وتتمتع بها عائلته بعد وفاته مع أبنائه من الأشخاص ذوي الإعاقة أو ممن يستمرون في تعليمهم الجامعي. وفي حين لا تغطي مدخراته لدى الصناديق إلاّ ثماني سنوات فقط من التقديمات يتمتع بمتوسط مجمل منح تقارب عشرين سنة يجري ضخها من موازنات الصناديق. كذلك، هناك تضخم متسارع في عدد الموظفين الحكوميين، فمن قرابة 300 ألف موظف قبيل الثورة (2010) انفجر الرقم إلى نحو 650 ألف موظف في ست سنوات فقط وهو ما ساهم في عجز الصناديق. أيضاً هناك سوء تصرف في عدد من الصناديق وارتفاع في أعداد المكفولين لديها.

- ماذا عن الإصلاحات التي طرحتموها؟

يجب التنبيه إلى أنّ المنظومة لا تغطي التقديمات المالية فقط بل تغطي التداوي والعلاج لدى مصحات الضمان الاجتماعي، والتأمين على المرض، والأدوية الخصوصية، ومنح الطلاب، ودعم اقتناء المساكن للفئات الفقيرة والطبقات المعوزة، وهي تدخلات في مجملها مكلفة ولم تعد الإدارات قادرة على سدادها. كذلك، فإنّ تضخم الديون مؤثر أيضاً، وبالرغم من تدخل الدولة في مناسبتين فإنّها لم تسجل ذلك كجزء من ديون الدولة لدى الصناديق بل بعنوان منح لها لإنعاشها. وتعهدت الدولة أيضاً بسداد ديون المؤسسات العمومية لدى الصناديق على حدة. فضلاً عن ذلك قدمت الوزارة مشروع قانون حول التمديد في سن التقاعد في خطط معينة لتفادي تعويض المغادرين بانتدابات جديدة وإيقاف التوظيف في الوظيفة العمومية خلال هذه السنوات. وتقترح الإصلاحات ترفيعاً في الاقتطاع من الأجور من 0.5 في المائة إلى 2 في المائة لصالح الضمان الاجتماعي، واستحداث جهاز خاص باستخلاص ديون مؤسسات الضمان الاجتماعي لدى الأفراد والمؤسسات.

- ما ردكم على التحفظات تجاه قرار التمديد في سن التقاعد واعتباره إجراء غير منطقي خصوصاً مع فتح الباب للمغادرة الطوعية للموظفين العموميين، وللتقاعد الاختياري؟

التمديد في سن التقاعد جاء في إطار فلسفة كاملة للإصلاح، وهو لا يتعارض مع إجراءات المغادرة الاختيارية، فالتمديد سيكون لخطط معينة ومن لا يريد أن يشمله التمديد يمكن له أن يطلب المغادرة المبكرة قبل تاريخ استحقاق التمديد. هناك قطاعات لا يمكن التمديد فيها على غرار قطاع التعليم. وهي إجراءات متكاملة لتخفيف الضغط على كتلة الأجور وعلى الصناديق الاجتماعية أيضاً.

- اقترحتم مساهمة تضامنية من المؤسسات الاقتصادية لصالح الصناديق في إطار مشروع قانون المالية لسنة 2018، لكنّها لا تحظى برضا المؤسسات بل هي محل رفض؟

استحدثت مساهمة تضامنية على عاتق المؤسسات تذهب لمنظومة الضمان الاجتماعي وهذه هي روح هذه المنظومة التي بنيت أساساً على "التضامن" بين جميع مكونات المجتمع حتى تتواصل خدمات هذه الصناديق للجميع. من السلبي التعاطي مع قضية أموال الصناديق وكأنّها تابعة للدولة أو ستعود الاقتطاعات والمساهمات فيها إلى موازنة وزارة الشؤون الاجتماعية في حين أنّ جميع الاقتطاعات تعود للصناديق التي ينتفع بخدماتها المنخرطون مباشرة.



- هل توصلتم إلى توافق مع المنظمة النقابية، الاتحاد العام التونسي للشغل، التي ترفض بشدة هذه الإجراءات، وبقية الأطراف الاجتماعية؟

وضعت الوزارة خطة متكاملة لا تزال تنتظر التوافق عليها مع المنظمة النقابية ومنظمة الأعراف واتحاد الفلاحين. واستغرقت المفاوضات حول هذه الإصلاحات مع الأطراف الاجتماعية نحو عشرة أشهر وهي تتفق معنا حول المبدأ. الاتحاد العام التونسي للشغل لا يعارض المسألة لكن عندما اقتصر الحديث والتعاطي الإعلامي مع حزمة الإجراءات باختزالها بالتمديد في سن التقاعد دون غيره، في إطار البحث عن الإثارة ربما، من الطبيعي أن يحدث رفض لهذا الإجراء الذي لن يشمل جميع الخطط والاختصاصات.

التمديد في سن التقاعد جاء في إطار فلسفة كاملة للإصلاح (العربي الجديد) 


- هل تعتقدون أنّ هذه الإجراءات قادرة على إنقاذ الصناديق؟

هذه الإصلاحات إذا ما تم التسريع في تنفيذها ستعيد للصناديق دورها الحقيقي وهو الإسهام في التنمية في الجهات وبناء المساكن الاجتماعية للطبقات الفقيرة وتوفير الأدوية وغيرها من الخدمات التي توقفت عن تقديمها نتيجة وضعها الحالي، وستعود هذه الصناديق إلى رخائها وقد تطور خدماتها أيضاً. لكن، إن جرى التلكؤ أو التباطؤ في إقرار الإصلاحات فقد يكون الأوان قد فات آنذاك والخسارة ستكون على الجميع.

- تشتمل الإصلاحات على محور ثان وهو إصلاح منظومة الدعم، هل هناك نية لزيادته أو التقليص منه؟

منظومة الدعم تكلف الدولة نحو 3550 مليون دينار وهي موجهة أساساً إلى العائلات تحت خط الفقر في حين لا يتمتع الفقراء إلا بـ22 في المائة منه، والطبقة الوسطى تنتفع بنصف قيمة الدعم، فيما ينتفع الأغنياء بـ28 في المائة منه، وإذ لا تطرح الحكومة بتاتاً إلغاء الدعم فلا بدّ من أن تعيد التفكير في كيفية إعادة توزيعه على مستحقيه. لا نية لدى الحكومة لإلغاء الدعم، بل هو جزء من حضور الدولة ودورها التعديلي في الحفاظ على القدرة الشرائية وحفظ التوازنات الاجتماعية.

- نسجل اليوم اهتراء الطبقة الوسطى وتآكلها واتساع رقعة الفقر فلماذا تأخر تدخل الدولة؟

نحن في صدد إعادة رسم خريطة الفقر التي لم يجرِ تحديثها منذ التسعينيات، وانطلقت الوزارة في مسح للعائلات تحت خط الفقر ستعلن نتائجه حال الانتهاء منه منتصف العام المقبل. وفق النتائج الأولية فإنّ 250 ألف عائلة ترزح اليوم تحت خط الفقر الشديد، و630 ألف عائلة تحت خط الفقر أو الدخل المحدود.
سيمكّن هذا المسح من إنشاء المعرّف الاجتماعي الوحيد الذي سيتضمن جميع المعطيات حول دخل المواطن واحتياجاته أيضاً، وسيمكّن، بالتوازي مع ذلك، من تصنيف الظلم الواقع عليه وأبعاد الفقر الأخرى التي تتجاوز الوضع المالي المتأزم إلى اختلال أو فقدان الحق في الصحة والتعليم والسكن وظروف العيش غير اللائقة داخل المنزل والعناية بالأشخاص ذوي الإعاقة وأصحاب الأمراض المزمنة وغيرها، وحتى غياب بعض الخدمات.

- في ظل هذا الوضع الصعب، هل ستتوقف مفاوضات الزيادة في الأجور مع الأطراف النقابية؟

المفاوضات مع اتحاد الشغل واتحاد أرباب العمل حول الزيادة في الأجور لن تتوقف، وستستأنف مع بداية أبريل/ نيسان المقبل. الحكومة ملتزمة بتعهدها أمام الأطراف النقابية التي تعد جزءاً من السلّم الاجتماعي في البلاد، ومهما يكن الوضع الحالي فإنّها لن تتراجع عن التزاماتها. تبيّن من خلال المفاوضات أنّ حلولاً كثيرة مطروحة من بينها التدرج في الزيادة في الأجور، ونحن نعوّل على تفهم الاتحاد العام التونسي للشغل وروح المسؤولية الوطنية التي تقوده في ظل هذا الظرف.