محمد أمين حمّودة.. في أثر الأشياء

10 نوفمبر 2018
الصورة
مقطع من عمل من المعرض
+ الخط -

في ثاني معارضه الفردية "في أعالي الورق"، الذي يحتضنه "غاليري البيرو" في سوسة التونسية حتى يوم غدٍ الأحد، يحشد التشكيلي التونسي، محمد أمين حمّودة (1981)، ثلاثة وخمسين عملاً فنّياً متنوّعة الأحجام والتراكيب، لكنها تلتقي عند ثيمة الأثر، من خلال إعادة طبع الأشياء وتلوينها، كتقنيةٍ تحضر في جميع القطع المعروضة.

حاز حمّودة درجة الماجستير في "نظريات وتقنيات الفنون"، وإلى جانب عمله كفنان ومصمّم، يُدرّس حالياً في "المعهد العالي للفنون والحِرف" في مدينة تطاوين. أقام معرضه الفردي الأول، "معراج"، في "غاليري حوش خريّف" في قابس، العام الماضي، كما شارك في عدّة معارض جماعية في اليونان وتركيا والصين والمغرب وتونس.

تنطلق تجربة حمّودة من بُعد بحثي بصري تتنوّع تقنياته التي تقترب من الحس الطباعي والتركيبي (الكولاجي)، إلى أبعاد تتماهى قليلاً مع التجريدية ما بعد الحداثية. تتلبّس أعمالَه الروحُ المتصوّفة، بوصفها واحدةً من الأساليب الفنّية الحديثة التي تأرجحت ما بين صوفية حديثة كما عند الجزائري رشيد قريشي، وصوفية تجريدية كما عند السوري آرام خالد الرز، وصوفية تعبيرية كما عند الفلسطيني مصطفى الحلّاج، وصوفية تجريبية كما عند المغربيَّين بشير آمال وفريد بلكاهية.

في الفنون البصرية، يبدو المغرب العربي وقد تميّز بتجربته في توظيف البعد الصوفي تشكيلياً، حيثُ تبرز أسماء عدّة فنّانين أكسبهم هذا الاشتغال هويةً فنية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

في أعماله، يربط محمد أمين حمّودة منطقَي التصوُّف العملي والرؤيوي؛ حيث نلمس هذه المساحة المفتوحة التي يلعب فيها كعازف منفرد تتماوج مفرداته الفنية على أكثر من جانب واتجاه، وهو ما يتجلّى من خلال تنوُّع تقنياته على سطح اللوحة وتوظيف الكولاج والطباعة على القماش أو الخشب؛ بحيث تفتَح تلك الأعمال - التي توظّف الرموز التجريدية وتُركّز على ثيمة الأثر - على أسئلةٍ عديدة حول هويّتها وتوجُّهها وانتمائها إلى الفن الحديث أو المعاصر.

ما يُثير الانتباه في أعماله هي تلك الحركات التي تتراوح بين التنظيم والصدفة/ الفوضى. غير أن ما يحافظ على ديناميتها هو هذا التوازن الفطري في توظيف التنويع التقني الذي يبحث عن إجابات ربما لمفهوم وجودي ينحو باتجاه البحث عن مكنونات الروح/ الأثر بوصفهما فهماً عميقاً للمباشرة التعبيرية.

يستلهم الفنّان التونسي اشتغاله هذا من مفرداتٍ يبسطها على سطح اللوحة، وهو لا يعتمد فقط على الفرشاة، بل يوظّف خامات متعدّدة من البيئة والمحيط، ويعكس أثرها الطباعي بألوان مختلفة وطرق معالجة عدّة. هكذا، تبدو لوحته إعادةَ اكتشاف بنائي أكثرَ منها حالة تعبير محض.

لعلّ تجربة محمد أمين حمّودة تحتاج إلى مزيد من الاهتمام؛ إذ يُبشّر مشروعه بفنّان مختلفٍ ومتنوّع، تمتاز أعماله بالنضج التجريبي، وتعدُّد التقنيات؛ إذ يُوظّف البيئة بكافّة عناصرها ويستلهم الشارع والفضاء في بناء أعمال فنية معاصرة ومحافظة على أصالتها.

المساهمون