محب شانه ساز.. ترامواي بيروت العائد.. عن طريق البحث

01 يوليو 2015
الصورة
"ترامواي بيروت ناظم المدينة وشريانها الحيوي" (حسين بيضون)

يتحدث أستاذ الأنتروبولوجيا في الجامعة اللبنانية محب شانه ساز عن ترامواي بيروت بنوع من الشغف. يستعرض خطوط الترامواي الأربعة على الخرائط وراء مكتبه في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، ويحدد معالم المدينة التي بنيت حول تلك الخطوط. كان شانه ساز قد نبش مع طلابه أرشيف مصلحة السكك الحديدية في لبنان، والمطبوعات المختلفة، والصور والدراسات. وخاضوا بحثاً ميدانياً، خرجوا فيه بتحقيق كامل عن "ترامواي بيروت ناظم المدينة وشريانها الحيوي" الذي ارتبط ببناء المدينة والمواطن على حد سواء. وهو ما يتحدث عنه لـ "العربي الجديد".

- ما المعلومات الأساسية التي توصلتم إليها في البحث عن ترامواي بيروت؟
كانت بيروت مدينة بحرية مسطحة، وتشكل نموذجاً لقرار السلطنة العثمانية منح دور أكبر لمدنها. مساحتها كانت صغيرة جداً تحدها أسوار لها سبعة أبواب من مختلف الجهات. أما وسائل نقلها فلا تتعدى الحنطور الذي تجره الدواب. فكان مشروع الترامواي الكهربائي مشروعاً ثورياً يؤسس للتحديث والعلاقة مع المجتمع الصناعي. وبالفعل فقد أنجزت المشروع شركة بلجيكية. وهو مشروع وسع المدينة وسمح بنموها، وفي الوقت عينه، صغّرها، أي قلّص المسافات بين السكان من مختلف الجهات بفضل سرعته النسبية.

- كيف تشكلت المدينة حول خطوط الترامواي الأربعة، وبات "شريانها الحيوي"؟
يتبين من البحث أنّ كلّ شيء بني حول تلك الخطوط من مراكز الدولة إلى المستشفيات إلى المدارس إلى دور العبادة باختلاف أديانها، إسلامية ومسيحية ويهودية، فالمقاهي ودور السينما وصولاً إلى المقابر. أي أنّ حياة الإنسان باتت محددة بخطوط الترامواي، يولد حولها ويعمل ويمضي أوقاته ويموت.

- وماذا عن فكرة "ناظم المدينة"؟ كيف صنع الترامواي النظام العام في لبنان، وأسس للحياة المدنية؟
مع بدء عمل الترامواي بدأ اهتمام الناس بالساعة، وصارت أبراج الساعات التي بنيت في الساحات العامة قبلة للجميع. فالوقت يدلّهم على موعد انطلاق الترامواي وهو ما يشير إلى انتظامهم على أساس الوقت لأول مرة. حتى السلطنة العثمانية زينت سرايتها في بيروت بتاج الساعة. قبل الترامواي كان المجتمع محكوماً بقيم أهلية، فالأهالي يعيشون متلاصقين ويعرفون بعضهم بعضاً. لكنّ كلّ جماعة تعيش بعزلة عن الأخرى. وبالمقارنة مع الحنطور الذي يمكن لرجل أخذه وحده أو مع عائلته ويتحكم به بأخذه أينما يريد في أيّ وقت كان، جاء الترامواي وعمل طوال 70 عاماً على ترسيخ قيم جديدة، نقل بها الجماعات من قيمها المتوارثة إلى منطق مدني.. إلى منطق الحقوق والواجبات العامة، ومنطق القوانين والقواعد اليومية التفصيلية التي يلزمك بها وعليك الاعتياد عليها. وعدا عن الجغرافيا وتقصير المسافات، فقد كان الترامواي أول مناسبة للاختلاط الجنسي والعائلي والمذهبي والطبقي. ولو أنّ الزعماء ورجالهم "القبضايات" بقوا وحدهم يخالفون تلك الأنظمة. فالزعيم كان يقود سيارته ببطء على السكة أمام الترامواي ويضطر سائق الأخير لتخفيف السرعة. كما يطلب القبضايات النزول من الترامواي قبل الوصول إلى المحطة، فيخفف السائق سرعته ليقفزوا منه. نقل الترامواي المجتمع الأهلي إلى مكان آخر أكثر تركيباً. لكن، في النهاية انتصر منطق الحنطور.

اقرأ أيضاً: الطاقة البديلة لحماية البيئة في لبنان

- وماذا عن تمثيل الترامواي للدولة، والعلاقة ما بين السلطة والشعب؟
كلّ الاحتجاجات على الدولة كانت تنظم على خط الترامواي. حتى طلاب المدارس عندما قرروا الاحتجاج على رفع سعر تذكرة السينما، قاطعوا الترامواي، فهو ما يمثل الشأن العام والدولة. الانتداب الفرنسي ما كان له أن يصنع دولة (لبنان الكبير 1920)، لولا أن سبقها الترامواي وخطوطه بـ25 عاماً، ومهد لإنشاء دولة القانون. لم يقم الفرنسي بأكثر من إعادة هندسة المدينة على أساس تلك الخطوط. كما يمكن أن نذكر في هذا الإطار العلاقة بين الشعب نفسه، إن على صعيد التعايش أو العكس. فبعض من تحدثنا إليهم وهم من الطريق الجديدة (مسلمون سنّة) كانوا يزورون أصدقاءهم في برج حمود (أرمن)، ويضبطون زياراتهم على أساس خطوط الترامواي وأوقاته. كذلك، في حرب عام 1958 (الناصريون مقابل حلفاء الغرب)، كان الترامواي الحائط الذي يخط عليه المقاتلون من الطرفين رسائلهم وشتائمهم إلى الطرف الآخر مع اختراقه خطوط التماس من الجهتين.

- لماذا أوقف الترامواي؟ وكيف لم تقم احتجاجات على ذلك؟
عام 1965 توقف الترامواي واستبدل بالباص الفرنسي الذي عمل على خطوطه نفسها لفترة. وكانت الحجج الأساسية بحسب الدراسات الفرنسية أنّ الباص أقل كلفة اقتصادياً، وأكثر راحة، وأسرع. كما جرى قبلها بفترة تضخيم بعض حوادث الدهس بهدف الدعاية السلبية للترامواي. وكذلك، كثرت السيارات الخاصة بعد نشوء الطبقة الوسطى والازدهار الاقتصادي وأنظمة التقسيط. وباتت السيارات الخصوصية والعمومية تؤخر سير الترامواي، وتؤخر وصول الناس إلى أشغالهم. فتقلص تدريجياً عدد عربات الترامواي وأهملت. وبذلك جرى تدجين الناس طوال سنوات، ما أدى إلى عدم احتجاجهم يوم توقف الترامواي عن العمل.

- ما هي أهداف مشروع البحث؟
عندما ينجز البحث تماماً نريد أن نفهم المدينة وكيفية بنائها من ناحية السكان والسلوك، ونكشف عن ذهنيات السلطة في تعاطيها مع الشأن العام، وتعاطيها مع المؤسسات ومصلحة النقل المشترك، المسؤولة عن خطوط السكك الحديدية والطرقات، والتي بملكيتها لجميع الطرقات في لبنان تعتبر أكبر ملاّك على الإطلاق في البلاد. نأمل أن تستفيد المصلحة من البحث، لكننا في النهاية لسنا دولة. كلّ ما يمكننا فعله عرض نتائجنا عبر الصحافة والمعارض والندوات والمقالات المحكمة. وفي النهاية سنصدر كتاباً بهذا الخصوص.

- من الجانب الشخصي البحت، لماذا البحث عن الترامواي؟
لدي أربعة دوافع لذلك. أولاً اختبار أطروحتي "أضبط الشارع تضبط كلّ شيء" خصوصاً أنّ الشارع يكشف الدولة إذا كانت دولة مؤسسات وقانون أم لا. ثانياً، خلال إعداد بحثي عن الزيتون في لبنان، تبيّن لي أنّ صناعة استخراج زيت الزيتون توقفت في بعض الأماكن بعد تحويل الترامواي إلى العمل الكهرمائي، فبات استغلال الماء من أجل توليد الكهرباء للترامواي وحرمان الزيتون والقمح منها. وثالثاً صرف الأعصاب اليومي على الطرقات من التجاوزات التي ترتكب خصوصاً من سيارات السرفيس (الأجرة)، وهي حنطور هذا الزمن، وذلك في غياب ترامواي أو قطار، عدا عن الاستيقاظ قبل 3 ساعات من أجل موعد ما. ورابعاً أنّ خالي كان سائق ترامواي، وما زالت كلمات جدتي لي أنّ "الشيخ توفيق كان يسوق الترين" تشكل لي نوعاً من الحنين. خالي شارك الناس في أحد الإضرابات ورشق الترامواي بنفسه، لكنّ أحدهم صوّره ووصلت الصورة إلى المسؤولين ما أدى إلى طرده من عمله.

طلاّب مشاركون في البحث

ولد محب شانه ساز عام 1968 من أب إيراني وأم لبنانية، وحصل على الجنسية اللبنانية عام 1994. تخرج من معهد العلوم الاجتماعية، وأنجز دبلوم الدراسات المعمقة بوصاية مشتركة بين الجامعة اللبنانية وجامعة ليون الثانية الفرنسية، لينال بعد ذلك رتبة الدكتوراه، ويبدأ التدريس في المعهد عام 2004. أسس الفرقة البحثية "إنسان" عام 2009 ويتولّى إدارتها. وتضم نحو 20 طالباً منهم من عاونه في البحث الأخير.

اقرأ أيضاً: "الرملة البيضاء" في بيروت تستغيث

دلالات