متحف اللاذقية.. خان الدخان العريق

03 مايو 2015
الصورة
المتحف مكون من طابقين ولكل طابق منهما قصة تاريخية
+ الخط -

بني متحف اللاذقية في القرن السابع عشر الميلادي؛ زمن الحكم العثماني، حسب ما يذكر المؤرخ اللاذقاني إلياس صالح. تخطيطه وهندسته تجعله أجمل الأبنية الأثرية في اللاذقية، وتكسبه شكلاً فريداً يبرز الطراز المعماري الذي يتميز به ويسمو بذلك على الآثار الأخرى.

هو مكون من طابقين ولكل طابق منهما قصة تاريخية عاش معها أحداثاً مرت به، فبناؤه بديع في طبقته الأرضية التي كانت تشكل البناء الأساسي للخان؛ وهي تتغنى بتاريخها، وبسقفها الذي يحوي قناطر حجرية تستند إلى أعمدة ضخمة، وفي وسطها فسحة كبيرة يتفرع عنها عدد من الأروقة، والطابق الثاني بناه أحد أبناء اللاذقية عام 1904 عندما انتقلت ملكيته إليه من مواطنه الذي كان قنصلاً لروسيا القيصرية، فبنى بيتاً في زاويته الغربية للسكن، لكنه هجره في وقت لاحق لبعد البيت عن المناطق المأهولة في مدينة اللاذقية في تلك الفترة؛ وهو يتكون من بهو فسيح يحيط به عدد من القاعات ذات السقوف الخشبية، وفيه قسم مخصص للصناعات الشعبية التقليدية.

اتخذ المبنى ليكون خاناً في أول عهده يستريح فيه المسافرون؛ فقد كانت الخانات منتشرة في تلك الفترة في اللاذقية، والتي كانت تقوم مقام الفنادق في عصرنا الحالي، وفي مراحل لاحقة جعله الحاكم العام التركي مسكناً له، وعند حلول عام 1898 أصبح مقراً لشركة التبغ التي استأجرته؛ وسمي خان الدخان لأنه كان المكان الذي يُجمَّع فيه التبغ؛ المنتشرة زراعته في سهول اللاذقية وتلقى رواجاً إلى الآن، قبل تصديره أو صناعته.

وعندما دخل الاحتلال الفرنسي اللاذقية، استولت قواته على الخان، وجعل المندوب الفرنسي في اللاذقية البيت الموجود في الزاوية الغربية مقراً له، وبعد ذلك باعه أصحابه إلى الحكومة الفرنسية مع بقعة أرض كانت ملحقة به وكان ذلك عام 1932؛ فألحقتهما بالدار، وصار اسمه المندوبية، ثم قامت بتغيير معالمه، وأزالت منشآت الطابق العلوي، وهدمت جدران الطابق الأرضي، فأصبح مظهره بالشكل الحالي، وبقي يعرف باسم المندوبية لدى الأهالي، إلى أن اشترته بلدية اللاذقية من الحكومة الفرنسية عام 1978 ثم انتقلت ملكيته إلى المديرية العامة للآثار والمتاحف التي بدأت أعمال الترميم الفعلية في البناء، وأجرت صيانة شاملة للطبقة الأرضية لتحويل المبنى متحفاً في مطلع عام 1983، وتم افتتاحه بتاريخ 19 أبريل/نيسان عام 1986.

اقرأ أيضا:الجامع الأموي يشهد على تاريخ دمشق وحاضرها

يمتد المتحف الحالي بطول ستين متراً وعرض خمسة وأربعين متراً، ويتألف من مجموعة من المستودعات والأروقة، وفيه خمس قاعات؛ الأولى تضم آثار الشرق القديم وآثاراً من موقع أوغاريت، ومجموعة رُقم مكتوبة باللغة الأوغاريتية والأكادية، وتمثالاً للإله إيل (أحد آلهة الميثولوجيا الكنعانية) ومجموعة من الأواني ونسخة مطابقة للنسخة الأصلية من أبجدية أوغاريت.


والثانية تضم آثار موقع ابن هاني الأثري الواقع شمالي مدينة اللاذقية من دمى فخارية ذات أشكال بشرية وحيوانية، ومجموعة أختام أسطوانية، وقوالب لصب السبائك البرونزية والنحاسية، والثالثة فيها الآثار الكلاسيكية الخاصة بمحافظة اللاذقية من العصور المختلفة التي مرت عليها من يونانية ورومانية، والرابعة تحوي الآثار الإسلامية، والخامسة تحتضن الفن الحديث من رسومات متنوعة رسمها تشكيليون سوريون تحكي تاريخ الساحل السوري، وهناك قاعة سادسة لحفظ وأرشفة الآثار المكتشفة في اللاذقية؛ فالمتحف غدا بؤرة جامعة لمعظم آثار محافظة اللاذقية القيمة، وينتثر في الأروقة بعض التماثيل والنصب الحجرية التي تعود إلى العهد اليوناني، ومجموعة من المدافن الكورنثية.

في سبتمبر/أيلول الماضي اكتشفت دائرة آثار اللاذقية سرداباً يصل بين المتحف ومكان مجهول، يُظن أنه يتجه إلى شاطئ البحر؛ وهو بعمق نحو أربعة أمتار، فتلك السراديب كانت موجودة من فترات سابقة، لكن الرومان قاموا بتطويرها وإضفاء لمساتهم عليها؛ وفي فبراير/شباط 2015 بوشرت عمليات تنقيب في حديقته، وعثر على العديد من اللقى الأثرية.

يلحق بالمتحف حديقة كبيرة تبلغ مساحتها قرابة هكتار، تعد من أجمل حدائق سورية، تحوي بعض المنحوتات الأثرية، وآثاراً حجرية ورخامية تعود للعصرين الكلاسيكي والإسلامي، وأعمدة وتماثيل وقبوراً حجرية، وفيها أشجار عملاقة يزيد عمرها على مئات السنين، تقف باسقة راوية حكايات المتحف وأسراره.

لا تقتصر وظيفة هذا المتحف الأصيل الآن على عرض الآثار والتأريخ؛ بل تطور دوره في الفترات الماضية، ولعب دوراً مهماً في الحركات الثقافية؛ إذ يستضيف العديد من معارض الكتب ومختلف النشاطات الفكرية.

اقرأ أيضا:"درج الياسمين" ..بعض من روح دمشق

دلالات