ما مدى تزايد الضيق في واشنطن من البصم على بياض مع إسرائيل؟

23 مايو 2020
الصورة
لا يخفي الحريصون على امتيازات إسرائيل في واشنطن تخوفهم(Getty)
+ الخط -
نشرت، أمس الجمعة، مجلة "فورين بوليسي" مقالة بقلم ستيفن كوك، الباحث في مجلس العلاقات الخارجية، بعنوان: "كيف يمكن إنهاء العلاقة الخاصة مع إسرائيل؟"؛ يعرض فيها الحيثيات التي ينبغي أن تحمل واشنطن على التحرك نحو "التوصل إلى توافق حان وقته للتخلص التدريجي من المساعدة" السنوية التي تقدمها للدولة العبرية.

أهمية المقالة ليست فقط في كاتبها المتخصص في شؤون الشرق الأوسط أو في مجاهرتها بالموضوع على صفحات دورية مرموقة، بل أيضاً في توقيتها. والأهم أنها تأتي في امتداد حالة متنامية من التبرّم والنفور المتزايدين في أوساط نخب أميركية، فكرية وسياسية، من الانفلات الإسرائيلي الفاقع بدعم وأحياناً بتشجيع ومبادرة من الإدارة، خاصة الحالية.

جاءت هذه المطالبة غير الاعتيادية في علنيتها في سياق الردود التي آثارها اعتزام الحكومة الإسرائيلية ضم أجزاء من الضفة الغربية وغور الأردن في الأول من يوليو/ تموز المقبل. خطوة أحدثت اعتراضات سياسية وإعلامية ويهودية ودبلوماسية لمسؤولين سابقين، من باب الحرص على إسرائيل لئلا تتحول بعد الضم والقضاء على حل الدولتين إلى بلد أبارتايد على المكشوف كما كانت عليه جنوب أفريقيا سابقاً.

آخر تعبيرات هذا الموقف كانت، أول من أمس الخميس، في كتاب رفعه 18 من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، يحذرونه فيه من عواقب مثل هذا الإجراء أحادي الجانب على "مستقبل إسرائيل وحق الفلسطينيين في دولتهم"، مع التعهد "بعدم تأييده".

طبعاً بالنهاية يبقى هذا الاحتجاج حبراً على ورق، إسرائيل عندها "كارت بلانش" من إدارة الرئيس دونالد ترامب والجمهوريين وعدد غير قليل من الديمقراطيين في الكونغرس، مع تغطية واسعة توفرها لها قوى وأوساط نافذة على أكثر من صعيد. لكن تنامي الضيق لدى دوائر وجهات مؤثرة في واشنطن من التمادي الإسرائيلي بات ظاهرة ملحوظة.

ولا يخفي الحريصون على امتيازات إسرائيل في واشنطن تخوفهم من تراكم هذا النفور الذي بدأ يتبلور بصورة علنية منذ الثمانينيات على يد متمردين كسروا الممنوعات في العلاقات الأميركية الإسرائيلية، مثل النائب الديمقراطي بول فندلي الذي تصدى لنفوذ اللوبي، وإن خسر جولته ضده، ثم مع السياسي المحافظ والمسؤول السابق في البيت الأبيض باتريك بيوكانن الذي فجر قنبلته عندما قال إن "الكونغرس أرض محتلة من إسرائيل". والمعروف أن مسؤولين كباراً في أكثر من إدارة، مثل وزير الدفاع السابق روبرت غايتس، لم يترددوا في إظهار امتعاضهم من إسرائيل وطلباتها المفرطة في الدعم والمساعدات. وفي الفترة الأخيرة، رفض عدد من أعضاء في مجلس الشيوخ ومرشحي الرئاسة المشاركة في مؤتمر اللوبي الإسرائيلي السنوي، ومنهم بيرني ساندرز الذي أعرب عن نيته إعادة النظر في العلاقة مع إسرائيل لو فاز بالرئاسة.

على هذه الخلفية تأتي المقالة لتطرح مقاربة واضحة تقوم على ضرورة التعامل مع إسرائيل "كدولة عادية"، طالما أن حل الدولتين "متعذر"، فهو يرى أن إسرائيل صارت دولة غنية وقادرة وقوية وأنه بعد 142 مليار دولار قدمتها أميركا صار من الصعب تبرير الاستمرار في تقديم المساعدة السخية لها. وإذا كان الأمر كذلك فلا بد إذاً من التوصل إلى "تفاهم حول طريقة لقطع المساعدة العسكرية عنها تدريجياً".


وفي هذا الخصوص يمكن أن تشكل "أوضاع إسرائيل وعملية الضم فرصة" لمباشرة مثل هذه الخطوة، خاصة أن "المساعدات ليست مسألة استحقاق". ويذكر في هذا الصدد أن السناتور راند بول غمز مرة من هذه الزاوية عندما قال في إطار الحديث عن المساعدات الخارجية إنه لا يجوز أن "نقترض لنعطي بلداناً غنية".

ليس من المتوقع أن يحصل شيء من هذا القبيل في المستقبل المنظور لأسباب واعتبارات مانعة يصعب وربما يستحيل تخطيها. الظروف غير متوفرة، لكن مثل هذه اللغة الصريحة التي تصور إسرائيل عبئاً أو ضريبة قد تحرك حساسيات متناغمة معها لكنها ما زالت مكتومة إلى حد بعيد، خصوصاً أن المناخات تبدلت بعض الشيء كما تدل تطورات وتزايد المقبولية لحركة مقاطعة البضائع الإسرائيلية المصنعة في المستوطنات، وبالذات في القطاع الجامعي.

المساهمون