ما بعد التكتل الاقتصادي

27 يونيو 2017
الصورة
لطالما ارتبطت دول المشرق العربي ومغربه بمشاريع ومخططات أجنبية، وحاكت في شكلها حالة التنسيق والتكتل لدول الغرب والاتحاد السوفيتي السابق. اليوم وتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية لا تزال حاضرةً في التعاملات ووضع السياسات، محافظةً على موازين عجز مهولةٍ في اقتصاديات الدول، نشهد تهديماً متسارعاً لفكرة الاتحادات الاقتصادية التي كانت إحدى سمات العصر الحديث وما بعده، وقد رفعت عالياً شعارات العدالة والمساواة.
دَق خروجُ بريطانيا من الاتحاد الأوروبي جرس إنذارٍ لهذا التجمع الاقتصادي والسياسي المتين، وهدّد بانفراطه، حين صارت الحمولة الاقتصادية في معظمها تقع على كاهل ألمانيا وفرنسا، مع وجود عجز مالي ضخم لدى دول الجنوب الأوروبي، كاليونان وإسبانيا، وإيطالية بشكل أقل. ولعب فشلُ المحادثات التجارية بين دول الاتحاد مع الولايات المتحدة الأميركية العام الفائت، بتفعيل خطة الشراكة في التجارة والاستثمار عبر الأطلسي، دوراً في خلخلة وحدة حال الأحلاف العريقة هذا، قبل تَسَلُّم دونالد ترامب حكم أميركا، ولنا أن نتخيل ما سيؤول إليه الحال الآن. الرضّة الأوروبية التي نتجت عن انسحاب بريطانيا لا بد ستتزامن معها ضربة لتكتل اقتصادي قوي، ويكاد أن يكون الوحيد، في المشرق العربي، وسيكون شكل الانقسام الحاد بين دول الخليج الذي أعقب الأزمة الحالية هو الوضع الموازي العادل، والذي بدا أكثر مضياً من نظيره الغربي، في إحداث شرخ نهائي بين دول مجلس التعاون الخليجي، والاستعاضة عن الوحدة الخليجية بتشكيل تحالفاتٍ بديلة بين دول خليجية، وأخرى بعيدة، أخذت التسريبات الإعلامية توضح معالمها يوماً بعد يوم.
الأزمة الاقتصادية العالمية التي صارت حديث الناس مع بدايات عام 2008، وظهرت بوادرها الأولى في الولايات المتحدة الأميركية، حيث انهارت قيمة الأسهم العالمية، وانخفض سعر النفط والمواد الخام في الأسواق، ما زال العالم يعاني من تبعاتها، وإن بدا أنه قد تم احتواؤها في عهد الرئيس الأميركي السابق، باراك أوباما. ويبدو تفكّك الاتحادات الاقتصادية الكبيرة إلى دول منفردة تبحث عن حلفاء اقتصاديين جدد، قد عزّز الظاهرة التي باتت تسمى صعود اليمين، إذ وجدت الشعوب، في العقد الأخير، نفسها تلتف حول الحاكم الذي سيلتفت إلى الداخل الضيق، ويؤمن لشعبه احتياطياً مالياً، وفرصَ عمل، بعيداً عن شعارات "الاتحاد قوة" التي مضى عليها الزمن، ولم يعد هناك قبول شعبي للتَبَوْتُق مع حليفٍ أضعف، يستنزف طاقات حليفه الاقتصادية، بدون مسوغ سوى الرغبة في الوجود معاً، وتشكيل كتلةٍ مرعبةٍ، لا تحفز ميلاً لمجابهتها.
محاولات الوحدة، أو تشكيل حلف اقتصادي، أو تعاون مطلق، جرت في القرن الماضي بين دول عربية، كمصر وسورية والعراق وليبيا التي كانت محسوبة على المعسكر الشرقي ذي الطابع السوفيتي. وفشلت تلك المحاولات بسبب طبيعة الحكام وظروف الشعوب في تلك الفترة، لكن الفكرة بقيت مشتعلة، وجرت لقاءات ووُقِّعَتْ معاهدات اقتصادية ودفاعية، مثل ميثاق العمل القومي بين سورية والعراق، وقبلها الوحدة بين سورية ومصر، وأيضا اتحاد الجمهوريات العربية مع ليبيا، استمرت الفكرة، وتنادت بها الهيئات والمؤسسات المحلية في البلدان المذكورة، إلى حين انهيار الاتحاد السوفيتي الحليف الكبير لها. اختفت أحلام الوحدة والتضامن الاقتصادي حتى من مناهج التدريس، بعد انفراط العقد الشيوعي، ولم نعد نسمع عن محاولاتٍ لعقد شراكاتٍ اقتصاديةٍ حقيقية بين هذه الدول، ما يدل أنها لم تكن أصلاً إلا استكمالاً لصورة الحلف الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي.
التحالفات الاقتصادية القديمة والراهنة والمنتظر تشكيلها في العقود المقبلة ستحدث تبعاً للحالة المصلحية البحتة، بعيداً عن قيم الأخوة والجوار بين الدول القريبة من بعضها التي يجمعها تاريخ أو لغة، وسيلعب توفر النقل الجوي والبحري الرخيص دوراً في رسم خرائط تحالفاتٍ جديدةٍ للعالم، تبعاً للحالة الاقتصادية للدول الأقوى واحتياجات السوق لديها.