ما بعد "كلا" اليونان: سيناريوهات وخاسرون ورابحون

07 يوليو 2015
الصورة
احتفالات في أثينا ترحيباً بنتيجة الاستفتاء (لويزا غولياماكي/فرانس برس)
+ الخط -
يحلو لكثيرين اعتبار أن تصويت أكثر من 61 في المائة من اليونانيين، يوم الأحد، لمصلحة تسليم حزب "سيريزا" اليساري الراديكالي الحاكم، صلاحية التفاوض بقوة مع الأوروبيين في شأن "خطة الإنقاذ المالية"، كان تصويتاً للتقليل من الخسارة لا أكثر. الخسارة واقعة بجميع الأحوال بحقّ الدولة المفلسة بفضل وصفات الدائنين منذ عام 2010، وبحق السواد الأعظم من الشعب الرازح تحت المزيد من الضرائب والمزيد من الخصخصة والمزيد من تجريده مكتسباته الاجتماعية، التي لطالما ناضل في سبيلها منذ مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. لكن بالنسبة للشعب اليوناني، وهو ما تُرجم في نتيجة الاستفتاء، كان يمكن للخسارة أن تكون أكبر لو قالوا "نعم" للخضوع لشروط الثلاثي الدائن (الاتحاد الأوروبي والمصرف المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي).

خيار التقليل من الخسارة قابلته خسارة مباشرة لرأس حربة المعادين ليسارية حكام أثينا، أي لألمانيا ولأنجيلا ميركل شخصياً، وهو ما انعكس في حالة تشبه الهستيريا فور ظهور نتائج الاستفتاء ليل الأحد، وعبر إعلان قادة منطقة اليورو عزمهم عقد قمة لبحث التداعيات، بموازاة "يد ممدودة" من اليونان، عبّرت عنها استقالة الرجل الأقوى في المفاوضات التي سبقت يوم أثينا الطويل، وزير المالية "الشرس" يانيس فاروفاكيس، على خلفية وصفه الثلاثي الدائن بـ"الإرهابيين" يوم السبت. هكذا يظهر كأن التصويت اليوناني بـ "لا"، قد يجعل اليونان بمثابة "كتلة ناخبة" في صناديق الاقتراع الألمانية في أي انتخابات مقبلة، لكون ألمانيا هي الجهة الأكثر تقديماً للقروض لليونان، وعلى اعتبار أن المستشارة تصرفت إزاء الملف اليوناني، وكأن الأمر رهان شخصي عليها الظفر به في وجه شيوعيي بلاد الإغريق.

فتحت نتيجة الاستفتاء اليوناني الأبواب على مصراعيها أمام حقبة جديدة، في أعظم تحدٍّ يواجهه الاتحاد الأوروبي منذ نشأته. لا تشبه المرحلة الحالية في أوروبا تلك التي سادت غداة فوز اليمين النازي في النمسا مع يورغ هايدر في انتخابات عام 2000، ولا تلك التي استولدتها الظاهرة اليمينية التي صنعها بيم فورتيون في هولندا في عام 2002، أو تقدّم جان ماري لوبان إلى الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية الفرنسية في العام عينه. فقد أظهرت الأزمة اليونانية محدودية ديمقراطية أوروبا حين يتعلّق الأمر بالرساميل وبحكم يساري في عقر دار أوروبا، وهو ما بات يُختصر بمعادلة أنه "لو كانت اليونان مصرفاً لكانت أُغدقت المليارات لإنقاذها فوراً"، مثلما حصل في أزمة عام 2008 في الولايات المتحدة وأوروبا.

اقرأ أيضاً: أوروبا ما بين التشدد والترقب تجاه اليونان بعد الاستفتاء 

لم يعد الأمر يتمحور حول "بنود التفاوض" بين اليونان والاتحاد الأوروبي، بقدر ما بات متعلقاً بمبدأ "التفاوض" بحدّ ذاته. في حالة التفاوض، فإن اليونانيين سيتوجّهون إلى أوروبا، بشروطهم، التي تتلخّص برفض الاقتراح الأوروبي بزيادة الفائض في الميزانية بنسب تصاعدية للسنوات الأربع المقبلة بدءاً من العام الحالي، وسيسعون إلى فرض أجندتهم الخاصة. بالنسبة إلى أوروبا فإن القبول بالاقتراح اليوناني، يعني إعادة جدولة الديون اليونانية، بالإضافة إلى مدّ أثينا بقروض إضافية ميسّرة بلا فوائد وحشية.

سيعني ذلك بطريقة غير مباشرة، فوزاً للمنطق اليساري اقتصادياً، ما سينعكس على دول أوروبية، ومنها إسبانيا، المُرشّحة كي تكون البلد التالي بعد اليونان، طلباً للمساعدات المالية، عدا البرتغال وإيطاليا وإيرلندا. كما سيسمح تحقيق المطالب اليونانية في قيام حراكٍ يساري عام في بلدان القارة الفقيرة، تحديداً دول أوروبا الشرقية. بما معناه تعبيد الطريق أمام تعديلات قد تطاول الاتفاقيات الاقتصادية داخل أوروبا وبرامج المساعدات بحدّ ذاتها، وهو ما سيُخفف بالتالي من النموّ الاقتصادي الذي يطمح له الاتحاد الأوروبي.

يانيس فاروفاكيس والعبودية

لكن المفاوضات ستشهد جديداً يتجلّى في غياب الرجل الذي قادها من الجهة اليونانية لفترة طويلة: وزير المالية يانيس فاروفاكيس، الذي قدّم استقالته، صباح أمس الإثنين، بعد أقلّ من 15 ساعة على انتهاء الاستفتاء. وقال فاروفاكيس في بيانٍ، "بعض الأعضاء في منطقة اليورو، لا يعتبرونني موضع ترحيب في اجتماعات وزراء المالية". وأضاف "رأى رئيس الوزراء (تسيبراس) أن هذه الفكرة قد تساعده على التوصّل إلى اتفاق، لهذا السبب سأترك وزارة المالية اليوم". وذكر في تغريدة له على حسابه على موقع "تويتر"، أن "استفتاء الخامس من يوليو/تموز، سيبقى لحظة فريدة قام فيها بلد أوروبي صغير ضد عبودية الديون".

لم يكن فاروفاكيس معروفاً على الصعيد العالمي قبل الأشهر الستة الأخيرة. كان منصرفاً إلى تعليم مادة الاقتصاد في جامعات عدة، في أوروبا وفي ولاية تكساس الأميركية. الرجل الماركسي، رغم عدم انتسابه إلى حزب "سيريزا"، إلا أنه يُعتبر من أركانه. نشر فاروفاكيس مؤلفات عدة عن "نظرية الألعاب"، وهي نظرية رياضية عامة، عكسها على الصعيد الاقتصادي في مفاوضاته مع الأوروبيين. وهو من جاء بفكرة "هيكلة الديون ووقف اعتماد التقشف وطلب مساعدات جديدة بفوائد مخفّضة".

و"هيكلة الديون" بالنسبة إليه، تستند على نوعين من السندات المالية، كما سبق له أن أوضح في مقابلة مع صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، في فبراير/شباط الماضي. وقال إن "النوع الأول من السندات، سيكون مرتبطاً بالنمو الاقتصادي لليونان، أما النوع الثاني فسيكون بديلاً للسندات التي يملكها حالياً المصرف المركزي الأوروبي"، مضيفاً أن "أَجَل استحقاق هذه السندات سيكون مفتوحاً". وعلى الرغم من رفضه علناً "شطب ديون اليونان"، إلا أنه أكد أن "إصدار سندات دائمة، بأَمَد استحقاق مفتوح، قد يعني في واقع الأمر، شطب هذه الديون من دون الإعلان عن ذلك صراحة". ومن الطبيعي أن يرفض الأوروبيون اقتراح فاروفاكيس، لأنه سيعني إقراراً بفشلهم في تطبيق برنامج المساعدات بأنفسهم.

"التضحية" بفاروفاكيس، وهو الذي "أدهش" مديرة صندوق النقد الدولي كريستين لاغارد بحسب اعترافها، خلال المفاوضات المُضنية، قد لا يكون حلّاً لإفساح المجال أمام استمرار المفاوضات مع الأوروبيين، لكنه يُعبّر عن رغبة أثينا في المحافظة على علاقتها مع الأوروبيين، وفي ترجمة وعودها بـ"عدم الخروج من منطقة اليورو".

أما في حال رفض التفاوض، خصوصاً من جهة أوروبا، فسيفتح الباب أمام احتمال "شراء" الصين أو روسيا للديون اليونانية في حالة إعلان إفلاس أثينا. وستكون المحطة الفعلية في قرار الإفلاس، يوم 20 يوليو/تموز الحالي، حين يحلّ أَجَل سداد اليونان مبلغ 3.5 مليارات يورو من ديونها للمصرف المركزي الأوروبي، خصوصاً أن أثينا تخلّفت عن سداد مبلغ 1.6 مليار يورو في مطلع الشهر لصندوق النقد، لعدم وجود سيولة كافية. وأبدت موسكو "سعادتها" على لسان نائب وزير الاقتصاد الروسي، أليكسي ليخاتشيف، الذي اعتبر أن "أثينا قامت بخطوة على طريق الخروج من منطقة اليورو". غير أن كل ذلك مرتبط بما ستقرره أوروبا اليوم في اجتماع قادتها، لأن الشعب اليوناني اختار حق رفض التقشف الذي لن يسمح له في تحقيق النمو، وفقاً لدراسات فاروفاكيس.

اقرأ أيضاً: اليونان توجه إشارة مهادنة للدائنين مع استقالة وزير ماليتها

المساهمون