ماسحو الأحذية في المغرب... مهمّشون على رصيف الحياة

ماسحو الأحذية في المغرب... مهمّشون على رصيف الحياة

23 مارس 2018
الصورة
ما زالت النظرة الدونية تلاحق هذه المهنة (العربي الجديد)
+ الخط -



جلس مطرقا برأسه إلى الأرض، يجول ببصره بين مختلف الأرجل ويترصّد أحذية المارة. جسدٌ نحيف، ويدان متّسختان تُداعبان فرشاة، وتنقران بها بين الفينة والأخرى على صندوق خشبي، إنه ماسح الأحذية أو "السِّيرُورْ" كما ينطقها المغاربة. مهنة غير منظمة، لا أرقام ولا إحصائيات لأعداد ممارسيها من الشبان والقاصرين الذين نزحوا من قراهم باتجاه المدن، بحثاً عن مورد رزق لإعالة أسرهم الفقيرة.

زهير (14 عاماً)، في الدار البيضاء، أحد هؤلاء، ما زالت دهشة النزوح والبراءة على ملامح وجهه، ولم تطمسها قساوة مدينة غول تحوّل كل القادمين إليها إلى "ماكينات" تنتج لكي تعيش.

انقطع عن الدراسة في المرحلة الابتدائية، وهجر قريته بضواحي مدينة آسفي أواخر عام 2014 نحو العاصمة الاقتصادية، بحثاً عن مورد رزق يساعد به أسرته التي فقدت معيلها الوحيد.

نزوح حوّله إلى "رجل بمسؤولية كبيرة"، وحرمه الفقر من حلم استكمال دراسته ليصبح طبيباً بيطرياً. يقول زهير لـ"العربي الجديد": "لم يكن أمامي خيار آخر بعد وفاة والدي سوى النزوح، فلا أرض لنا كي نزرعها ونستفيد من خيراتها، كما أنني شعرت بالمسؤولية حيال أمي وأخواتي الصغيرات".

ويضيف "عملت في البداية مع صاحب محل لبيع الأحذية أساعده وأنظف له المكان، مقابل راتب هزيل جداً، لكنه ضمن لي مكاناً أنام فيه. بعد أربعة أشهر صادفت أحد أبناء قريتي فأخبرني بأنه يعمل ملمّع أحذية، وشجعني على مزاولة هذه الحرفة الحرة التي لا تخضع لمزاجية أرباب العمل. في بداية الأمر رافقته لمدة أسبوع. كنت أعاين طريقة عمله والأماكن التي يرتادها، وأتعلم منه بعض الحركات والعبارات التي يستجلب بها الزبائن، ثم سرعان ما التحقت بركب الماسحين، فجلبت عدتي الخاصة، وهي عبارة عن فرشاة ومنشفة ومادة التلميع (علب السيراج)، بالإضافة إلى صندوق خشبي صغير صنعه لي نجار".

استطاع زهير في فترة وجيزة أن يتكيف مع الوضع الجديد. تعلم أصول الحرفة بدقة، وانضم  إلى طابور "ّالسيرورات". وفي كل مرة يشعر فيها بمرارة الغربة، يداوي جروحه كلما تذكر المبلغ التي يبعثه لأسرته.

استطاع أن يتكيف مع الوضع الجديد (العربي الجديد)


يبدأ عمله في التاسعة صباحاً ولا يغادر إلا عند التاسعة مساء. يجول في الشوارع وبين رواد المقاهي، يترصد الأحذية لعلّ الحظ يسعفه ويجد في طريقه من يغدق عليه، هو الذي يواجه أعباء الحياة.

يقول "يتراوح المقابل المادي الذي أتقاضاه عن كل حذاء بين ثلاثة دراهم و20 درهماً، بحسب كرم الزبون ووضعه الاجتماعي، وأجني في المجموع من 100 إلى 150 درهماً في اليوم، أقتطع منها مصاريف الأكل ونصيبي في كراء غرفة مشتركة مع ثلاثة أشخاص، وأتقشف لأرسل لأسرتي مبلغ 500 درهم شهرياً".

ينفي زهير تعرضه لأي محاولات تحرّش، مقابل اعترافه لـ"العربي الجديد"، بمضايقات كثيرة يتعرض لها من المدمنين وأطفال الشوارع والنظرة الدونية التي تلاحقه من البعض. ويقول "يحتقرون عملي. بعض الزبائن يرمون لي الدرهم في وجهي، وآخرون لا يدفعون شيئاً، كما أنني تعرضت للسرقة أكثر من مرة".

يتحدث زهير وهو يحرك يديه بخفة فوق حذاء زبون أجنبي. يحاول أن يكتم أسفه على واقعه قبل أن يسأل: "أريد العودة إلى المدرسة، لكن من يتكفل بمصاريف أسرتي؟".

لا يكاد حال عبد الرحمن (24 سنة)، متزوج وأب لثلاثة أطفال، يختلف عن حال زهير، إلا في عدد السنوات التي قضاها هذا الأخير في عمله.

الصندوق الخشبي والفرشاة من أساسيات العمل (العربي الجديد)

يقول لـ"العربي الجديد": "أعمل سيرورا منذ 6 سنوات، وأعيل أسرتي التي تركتها في القرية بضواحي مدينة الشماعية، فبعد أن زوّجني والدي في سن مبكرة وجدت نفسي مثقلاً بمسؤولية كبيرة".

ويضيف "أسرتي لا تعلم أنني أعمل ماسح أحذية، لقد أخبرتهم بأنني وجدت عملاً في أحد المصانع الكبرى في الدار البيضاء. ورغم أنني لا أسرق ولا أتسول، إلا أن النظرة الدونية التي تلاحق هذه المهنة لم تتغير".  ورغم المرارة يستدرك قائلاً "الحمد لله أنني وجدت عملاً أقوم به، ويدر عليّ دخلاً معقولاً، فليست لدي أي شهادات أو مؤهلات، هذه المهنة بسيطة ولا تحتاج إلى الكثير من الجهد، بل معرفة طرق حماية نفسك من السرقة واعتداءات مدمني المخدرات".

يجوب الشوارع والمقاهي بحثاً عن مورد رزقه (العربي الجديد)

ليس لعبد الرحمن أي مورد رزق آخر غير ما يجنيه من مسح الأحذية في شارع مولاي يوسف وأنفا بالدار البيضاء. يوضح أن غالبية زبائنه من الموظفين والشباب الراغبين في إجراء مقابلات عمل، لافتاً إلى أن البعض ما زال يتحرّج من مد حذائه إليه ويطلب فرشاة التلميع والملمع، ويقوم بهذه العملية بنفسه، كما حدث له أخيراً مع زبونة.

حكاية زهير وعبد الرحمن، من بين حكايات عشرات الشبان والقاصرين، الذين دفعتهم الهشاشة الاجتماعية والحاجة إلى مورد رزق، واضطرتهم إلى مغادرة صفوف الدراسة والنزوح من قراهم نحو المدن الكبرى، فتأبطوا صناديق خشبية، حمّلوها همومهم وشكاواهم، حتى أضحت شاهدة على دموع ذرفوها ولحظات فرح محدودة عاشوها. 

في هذا السياق، يدعو الأستاذ الباحث في العلوم الاجتماعية والسياسية محمد شقير، إلى "إعادة الاعتبار لهذه المهنة الشريفة التي تدخل في صميم الحياة اليومية والتطور العمراني، وذلك من خلال القيام بمجموعة من المبادرات التأهيلية والخطوات التي تسهم في رفع حالة التهميش عن ماسحي الأحذية".


ويقترح شقير في تصريح لـ"العربي الجديد"، تخصيص زيّ لماسحي الأحذية في كل مدينة على حدة، بالإضافة إلى التعاقد مع مجموعة من حرفيي الصناعة التقليدية لصنع علب "سيراج" بطريقة مبتكرة، يتم توزيعها أو بيعها لهم بأسعار رمزية لاستبدال صناديقهم المهترئة والمصنوعة بشكل عشوائي لا ينسجم مع مهمة التلميع والتنظيف.

دعوات لرد الاعتبار لماسح الأحذية (العربي الجديد)



ويوضح أن تجاوز النظرة الدونية الملتصقة بهذه المهنة رهين بتضافر جهود الدولة ومكونات المجتمع المدني، داعياً إلى تنظيم مسابقات لماسحي الأحذية في المغرب، يتم خلالها اختيار أحسن ملمع للأحذية على غرار المسابقات التي أصبحت تنظم لنادلي المطاعم والمقاهي.

دلالات