ماذا بعد تشكيل حكومة اشتية؟

19 ابريل 2019
+ الخط -
للإجابة على هذا التساؤل، يجب الوقوف أولا على أسباب تشكيل حكومة محمد اشتية في فلسطين المحتلة، فهذه الحكومة جاءت بعد استنفاد حكومة الوفاق الوطني الفلسطيني الهدف من تشكيلها، في ظل فشل السلطة الفلسطينية وحركة فتح في هزيمة حركة حماس واستعادة قطاع غزة، وأيضاً تأتي في إطار ترتيب مرحلة ما بعد محمود عباس، الذي يشغل حاليا رئاسة اللجنة التنفيذية في منظمة التحرير الفلسطينية، ورئاستي السلطة الفلسطينية وحركة فتح، في مساع فتحاوية لضمان هيمنة الحركة على القرار الفلسطيني بعد عباس.
تواجه حكومة اشتية تحديات جساماً عديدة، فقد جاءت في ظل صراع فتحاوي داخلي، كانت دلالاته في غياب قيادات وازنة من حركة فتح عن مشهد أداء وزراء الحكومة للقسم أمام عباس، وكذلك عن حسم وزارتي الأوقاف والداخلية، إضافة إلى رفض فتحاوي واسع لاستمرار بقاء وزير الخارجية رياض المالكي، والمالية شكري بشارة في منصبيهما.
لم تحظ هذه الحكومة بتأييد الفصائل الفلسطينية الوازنة داخل منظمة التحرير، لا سيما الجبهتين الشعبية والديمقراطية، ونالت معارضة واسعة من فصائل المقاومة الفلسطينية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي. وكذلك أحدثت شرخاً كبيراً في الأطر القيادية للفصائل الهامشية التي اتخذت قرارا بالمشاركة في الحكومة، مثل فدا وحزب الشعب الفلسطيني. وعليه، تفتقد الحكومة الشرعية الوطنية، وهي تفتقد بالأساس الشرعية القانونية، حيث إنها لم تُعرَض على المجلس التشريعي الفلسطيني قبل استلام مهامها وفق نص القانون الأساسي الفلسطيني.
جاءت حكومة اشتية في خِضَم أزمة مالية خانقة تمر بها السلطة الفلسطينية، ومديونية تجاوزت الخمسة مليارات دولار، ومما فاقم هذه الأزمة إقدام الاحتلال على اقتطاع جزء من أموال المقاصة الفلسطينية من الضرائب التي تجبيها دولة الاحتلال لصالح السلطة الفلسطينية وفق اتفاقية باريس التي ربطت الاقتصاد الفلسطيني باقتصاد الاحتلال، وكذلك قطع الولايات المتحدة الأميركية مساعداتها للسلطة الفلسطينية، بما فيها تلك المخصصة لأجهزة الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، حتى أضحت الحكومة غير قادرة على سداد فاتورة رواتب موظفي القطاع العام، ما دفعها إلى استدانة 50% من قيمة هذه الفاتورة من البنوك المحلية.
ستجتهد حكومة اشتية لإحداث أثر ملموس في الشارع الفلسطيني في الضفة المحتلة، لتأكيد قدرتها على تجاوز الأزمات التي تواجهها. أما قطاع غزة، فهو أكبر من قدرة حكومة اشتية على التعامل معه، والعمل على تفكيك أزماته الإنسانية، كونه ملفاً سياسياً بامتياز، يتحكم به رئيس السلطة، محمود عباس، والذي أكدت شواهد عديدة سعيه نحو تعزيز المشكلات الإنسانية في غزة ومفاقمتها، بغرض إسقاط حركة حماس.
ربما تسعى حكومة اشتية إلى التوافق مع القاهرة حول آليات التعامل مع غزة وإخضاعها للسلطة الفلسطينية، وبدون هذا التوافق لن تستطيع حكومة اشتية تنفيذ استراتيجية استعادة غزة باحتواء حركة حماس، أو العمل على إضعافها وهزيمتها، وهي مساعٍ أراها محدودة النجاح، بالنظر إلى تجربة السلطة في استعادة غزة طوال الفترة الماضية.
تحسين العلاقة مع مصر مهم للسلطة الفلسطينية وحكومة اشتية، ليس حول ملف غزة فقط، وإنما ينبع من رغبة السلطة في قيام القاهرة بالضغط على الاحتلال للتراجع عن خصم أموال المقاصة الفلسطينية التي أدت إلى مضاعفة أزمة السلطة المالية، علاوة على الدور المصري المأمول في دفع نتنياهو نحو التراجع عن نيته بضم مناطق "ج" في الضفة المحتلة لسيادة دولة الاحتلال، وهي أراضٍ تمثل 60% من مساحة الضفة المحتلة، ما يعني عمليا تقوقع دور السلطة، وانحصار هدفها السياسي في إقامة حكم ذاتي محدود داخل مناطق الكثافة السكانية الفلسطينية في الضفة المحتلة.
في ظل هذه الوقائع، تبقى خيارات غزة البحث عن حياة كريمة، بعيداً عن السلطة الفلسطينية ورئيسها، محمود عباس، الذي أغلق ملف المصالحة الفلسطينية، وكرس الانقسام السياسي، وعزز انفصال الضفة عن غزة بتشكيله حكومة اشتية، بعيداً عن التوافق أو الشرعية القانونية الفلسطينية. لذلك أتوقع سعي حركة حماس إلى تشكيل هيئة إدارية، بالتوافق مع فصائل غزة، أو الذهاب إلى إدارة غزة بمفردها في حال اعتذار الفصائل الفلسطينية، بهدف إتمام التفاهمات الإنسانية مع الاحتلال، على أمل الوصول إلى هدنة طويلة تلتقط من خلالها غزة أنفاسها بعد حصار طويل.
04D12ACA-2811-4B0A-BD88-6D7B4D4CEA74
ماجد نمر الزبدة (فلسطين)