ماذا بعد القمم؟

06 يونيو 2019
الصورة
خلال اجتماع القمة العربية (Getty)
سؤال يحيرني في القمم العربية والإسلامية هذه الأيام، وهو أن دولتي الصومال وجزر القمر لا تذكران أبداً. وعندما نتحدّث عن المآسي والكوارث الإنسانية في الوطن العربي، ننسى حجم المعاناة والألم الذي يعانيه إخوتنا الصوماليون، وهذا البلد الكبير الواعد على البحر الأحمر، والذي كان يوماً إمبراطورية كبيرة في أفريقيا، منسيّ تماماً في القمم العربية والإسلامية. ونتذكّر اليمن وسورية وليبيا، ولكننا ننسى الصومال. 

ثم هنالك تلك الجنة البديعة المكونة من أربع جزر في المحيط الهندي، والتي تشكل معاً بلداً عربياً اسمه جزر القمر، والذي يمدّ يده طالباً المساعدة والاستثمار. ولولا بعض الاستثمارات القليلة لما كان في هذه الجزر البديعة استثمارٌ عربيٌّ يذكر. ومع أن جزيرة سيشل ليست بعيدةً عنها، ولكن الأخيرة وجدت من يرعاها، فبدأ اقتصادُها ينتعش.

وعلى الرغم من أن الجزيرة الرابعة من جزر القمر، واسمها مايوتي، لا تزال تحت الإدارة الفرنسية، علماً أن الرئيس الفرنسي الأسبق، شارل ديغول، وعد بإخلائها عام 1962، ولكن نظراً لما تتمتع به من زهور برية وطبيعية تدخل في صناعة العطور، فقد تقاعس الفرنسيون عن إخلائها حتى الآن.

والمتابع لمؤتمرات القمة الثلاثة التي عقدت في مكة المكرمة يومي الجمعة والسبت الماضيين قبيل السحور، يرى أنها صممت بحيث تتبنّى قراراتٍ تسعى، في نهاية المطاف، إلى إدانة إيران والحوثيين بما جرى في كل من ينبع والفجيرة بمنشآت ومنصات وسفن نفطية. ولذلك جاء حديث رؤساء قمة دول مجلس التعاون مختصراً مباشراً، فكلهم لم يعارضوا إدانة هذه الأعمال. وإن كان بعضهم قد وصف الهجمات على تلك المنشآت بأنها إرهابية، إلا أن نصفهم أحجم عن اتهام الحوثي أو إيران أو النظام الإيراني بالإرهاب.

ومتى ما تجمعت ست دول على التوافق، فإن في الإمكان غرس هذا التوافق في جسم مؤتمر القمة العربية. ولكن معظم الدول العربية التي تحدثت، وبعضها لم يفعل، وقف في صف دولتي السعودية والإمارات في شجب الهجمات الصاروخية، وبالطائرات من غير طيار، على المرافق النفطية، ولكن الغالبية قالت إن هذا الشجب يجب ألا يدفعنا إلى حربٍ مع إيران، تكلفنا التنازل عن مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة المتصلة، وعاصمتها القدس الشرقية، على حدود عام 1967. 

ولذلك، كان الموقف العربي أصلب وأشد في الحفاظ على فلسطين وحقوق أهلها، وعلى القدس، مما عكسته نتائج القمة الخليجية.

أما في مؤتمر القمة الإسلامية، فقد بدا واضحاً من الدول الكبيرة والدول المؤثرة أن إدانة إيران، ومنح ترخيص بالهجوم عليها، لم يحصلا، بل تجاهل بعضهم الموضوع برمته.
ومن هنا، أفرزت نتائج مؤتمرات القمة الثلاثة، إذا أعيد تلخيصها من جوانبها الكلية، أفرزت، في رأيي، نتائج مهمة على الدول العربية عامة، والدول النفطية خصوصا.

الأولى أن العالم الإسلامي لا يقبل أن إيران هي العدو الأول للأمة العربية، والفكرة غير مقبولة إطلاقا على المستوى الإسلامي. وفي ضوء الترجيح، لن تدخل الولايات المتحدة في حربٍ ضد إيران، وأن الحكومة الإسرائيلية عرجاء وغير قادرة على اتخاذ قرارٍ إلى منتصف شهر أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، فأي بحث في صفقة القرن، أو عقد مؤتمراتٍ تمهد لذلك، يجب أن يعاد النظر فيه من القائمين عليها، والمشجعين لها، والمستضيفين لأعمالها.

الأمر الثاني الذي يجب أن يعزّز النتيجة أعلاه أن المسلمين، قبل العرب، يرفضون الحرب ضد إيران. وهذا لا يعني أنهم راضون عنها، أو عن سلوكها السياسي، ولكنهم يعلمون ما ستفعله هذه الحرب إن حصلت من تدمير لإيران ودول الخليج، وما ستسبّبه من كوارث إنسانية واقتصادية للعالم العربي والإسلامي والدولي، وما ستستنفده من موارد طبيعية ومالية، وما ستخلفه من فوضى وانقسامات داخل الجسدين، العربي والإسلامي.

الأمر الثالث، والذي يعزّز فكرة الانتصار للتفاوض بين إيران والسعودية، والانكباب بجدّية على هذا الأمر، أن القادة ركّزوا على أوضاع العرب والمسلمين في العالم. وتبيّن من خطبهم أن المسلمين يعانون من أعلى نسب الفقر، وأعلى نسب البطالة، وأعلى نسب اللجوء، وأعلى نسب التشرّد، وأعلى درجات الاستهداف العنصري والديني، ومن دول غير مهمة، مثل ميانمار، ودول كبيرة مثل الصين.

وقد أكد الملك سلمان بن عبد العزيز على فكرة التضامن والنماء الإسلاميَين. ولكن أن يصبح هذا ثمناً لوقوف الدول مع السعودية ضد إيران فهذا لن يحصل، بل لو قبلت السعودية بالتفاوض، وساهمت، هي ودول الخليج الأخرى، في مشاريع لإنقاذ بعض الدول في أفريقيا وآسيا، وبالأخص فلسطين، من أزماتها الاقتصادية الحادّة، فهذا سينفع السعودية ودول الخليج والعرب لإعادة ثقة الدول الإسلامية غير العربية بنا.

ولن يقبل العالم المسلم أن يرى أموال العرب تصرف على أميركا من أجل أن تساهم في حرب سيكونون هم أولى ضحاياها، وستؤدي إلى تصفية القضية الفلسطينية وتبديد الثروة، فهذا ليس مقبولاً لديهم أبداً، لا رسمياً ولا شعبياً.

وليعذرني حسن نصر الله الذي لا يساهم بخطاباته في تهدئة روع دول الخليج، بل يزيد الأمور تعقيداً. وعلى حزب الله ألا يكون صوت التهديد الذي لا يستخدمه السياسيون العاقلون في إيران. وإن شعبيته في الوطن العربي قامت على أنه مقاوم لإسرائيل، وفقد الكثير منها لما تحزّب ضد السنّة في مواقف أخرى.

ومع التأييد الكبير لفلسطين، إلا أن رفض صفقة القرن لم يحصل. ومع التأكيد على التضامن الإسلامي، إلا أن مصالحة خليجية لم تقع. وإذا لم تتبع هذه الاجتماعات إجراءات ملموسة تؤكد موقف التضامن، فإن ما تبقى من احترام للعرب في دول، مثل باكستان وبنغلادش ونيجيريا وإندونيسيا وماليزيا، لن يستمر كثيراً. وسيجد هؤلاء لأنفسهم بدائل غيرنا.