مؤشرات الفساد... رومانيا نموذجاً

12 فبراير 2017
الصورة

مظاهرة في بوخارست ضد تعديلات قانونية مقترحة (5/2/2017/فرانس برس)

+ الخط -
تأسّست منظمة شفافية بلا حدود عام 1995، وهي بمثابة مقياس لمستويات انتشار الفساد في المرافق العامة في الدول المختلفة. تستقي معلوماتها وبياناتها من مصادر ومؤسسات دولية موثوقة، لقياس معدّل الفساد الإداري والسياسي في الدول المعنية، ويأخذ المقياس بالحسبان الفساد والمخاطر المترتبة على الصعيدين، الاقتصادي والسياسي. لذا، فإنّ آراء وتقييم وتصوّرات قطاع العمل والمحلّلين والخبراء في الدولة الخاضعة للتقييم عامل أساسيّ في عملية الترتيب.
المعلومات والبيانات الواردة لدى المنظمة مجانية، وتشهد تعديلات بين حين وآخر، وقد أضافت المعايير التي اعتمدت في هذا المؤشّر للعام الماضي 2016 مؤشرًا جديدًا، وهو "مستويات التطبيقات الديمقراطية". وهناك مصادر رئيسية عديدة، تعتمدها المنظمة في عملها، مثل بيانات البنك الدوليEconomist Intelligence Unit, Freedom house, المنتدى الاقتصادي العالمي، معهد التطوير الإداري، مركز المنافسة الدولية، مؤسسة بيرتلسمان، بنك التنمية الأفريقي، مركز دراسة الأسواق العالمية، جامعة غوتنبرغ وغيرها. تناول تقرير العام الماضي 176 دولة، واعتمد على 13 دراسة متخصّصة للدول الخاضعة للتقييم، شاركت بوضعها معاهد متخصّصة وخبراء ومحلّلون دوليون.

الدول الإسكندنافية الأفضل
حسب المنظمة، تعاني الدول غير القادرة على جمع 50 نقطة من مشكلة في مكافحة الفساد، وتعاني ثلثا الدول التي خضعت لهذا التقييم من عدم وجود آليات كافية لمكافحة الفساد، أمّا المعدّل العام للعام الماضي 2016 فلا يتجاوز 42.94 مقابل 43 للعام 2015، ما يدل على أنّ نهج مكافحة الفساد يشهد تراجعًا. الدول الإسكندنافية هي الأفضل في مجال مكافحة الفساد، الدنمارك ونيوزيلندا في الطليعة بمعدّل 90 نقطة، تليهما فنلندا 89 نقطة، ثمّ السويد 89 نقطة أيضًا، فسويسرا 86 نقطة. تتمثل العوامل التي سمحت لهذه الدول بترؤس القائمة في العمل المؤسساتي الفاعل، الشفافية في الأداء الوظيفي والنظم المعلوماتية المفتوحة والقوانين الملزمة للمواطنين والقادة السياسيين ورجال الدولة كافة والرقابة الممارسة بصورة منتظمة وعادلة. وعلى الصعيد العربي، تحتلّ الإمارات مرتبة متقدمة وجيّدة نسبيًا، حيث جمعت 66 نقطة، تليها قطر التي جمعت 61 نقطة، واستخدمت المنظمة في تقييم الدولتين سبع دراسات وتحقيقات موثّقة، في وقت حقّقت فيه الأردن مرتبة متساوية مع رومانيا 48 نقطة، ونالت 
المملكة العربية السعودية 46 نقطة. وتراجعت مرتبة الكويت وتونس إلى 41 نقطة، وحازت مصر على 34 نقطة، لبنان - 28 نقطة، العراق - 17 نقطة. أمّا ليبيا والسودان واليمن وسورية والصومال فلم تتمكن من جمع سوى 10 – 12 نقطة، وهذا أمر مفهوم، أخذًا بالاعتبار الأوضاع المعقّدة التي تمرّ بها هذه الدول على كل الأصعدة، في ظلّ الحروب التي تعاني منها بعضها. كما أنّ الأنظمة الشمولية، كما هو الحال في سورية، لا تسمح بتفعيل آليات مكافحة الفساد على نطاق واسع أو محدود، في ظلّ ما تعانيه البلاد منذ سنوات من ظلم اجتماعي، وتهجير قسري، وقتل جماعي، وتحالف مع قوى عظمى ضدّ فئات الشعب، لتركيعه وتغيير الحالة الديمغرافية برمّتها بما يخدم أهداف النظام الحاكم.

الشعب الروماني يتقدم أوروبا الشرقية
تعاني دول عديدة في أوروبا الشرقية من مخاطر الفساد بصورة شبه دائمة، ولم تتمكّن من إيجاد صيغ فاعلة لمكافحة هذه الآفة الاجتماعية بصورة جذرية، منذ بدء المرحلة الانتقالية. وتحتلّ بلغاريا المرتبة الأخيرة على الصعيد الأوروبي، ولم تتمكن من جمع ما يزيد على 41 نقطة، كما تعاني رومانيا من تبعات محاولة فرض مرسوم حكومي، يسمح بإفلات الموظفين والمديرين والمتنفّذين من ملاحقة القضاء، حال وجود شبهات بعقد صفقاتٍ، تقل قيمتها عن 44 ألف يورو، وخفض عقوبات السجن وسقف الغرامات المالية المفروضة على المتهمين بالتورط في خطط فساد ونهب أموال عامّة. المظاهرات مستمرّة يومياً منذ صدور المرسوم، بعد أن تمكّن القضاء الروماني من زجّ فاسدين كثيرين خلف القضبان قبل سنوات، بمن في ذلك وزراء وزعماء سياسيون.
لم يمضِ وقت طويل على تسلّم الاشتراكيين مقاليد السلطة في رومانيا، حتى خرج عشرات الآلاف من المواطنين في بوخارست وباقي المدن الكبرى في رومانيا، للتعبير عن رفضهم المطلق التغييرات المطروحة في النظام القضائي، والتي تسمح بإعادة تأويل فقرة "تضارب المصالح وسوء استخدام السلطة"، باعتبارها ممارسات إجرامية مخالفة للقوانين والدستور. وبهذا، سيتم إعفاء محكومين كثيرين بعقوبات مع وقف التنفيذ من القادة وكبار رجال الدولة، مقابل دفع عقوبات ضئيلة، والاستمرار في نهج الفساد، وسلب أموال المساعدات الأوروبية، على ألا تتجاوز قيمتها 44 ألف يورو.
وقد شارك الرئيس الروماني، كلاوس يوخانيس، شخصيًا في المظاهرات اليومية في
بوخارست، وأعرب عن عزمه على المطالبة بتنظيم استفتاء شعبي لاستطلاع موقف الشعب الروماني من التعديلات الجديدة المقترحة في قانون العقوبات، علمًا أنّ قطاع القضاء الروماني والنيابة العامة والرئيس يرفضون توجّهات الحكومة الجديدة جملة وتفصيلا. وستضطر الحكومة الاشتراكية، على الأرجح، إلى تقديم الاستقالة، كما الكثير من سابقاتها، رضوخًا عند مطالب الشعب الروماني، على الرغم من فوزها في الانتخابات البرلمانية في 11 ديسمبر/ كانون الأول 2016. والرئيس يوخانيس على استعداد للتخلّي عن منصبه عند الضرورة لتحقيق الأهداف الشعبية.
وتجدر الإشارة إلى أنّ التجربة الرومانية فريدة للغاية، ويتّسم هذا الشعب بالقدرة على التحمّل والصبر حتى الرمق الأخير، ومهما كان الثمن، وربّما تعتبر رومانيا الدولة الوحيدة التي شهدت إعدام زعيم سابق (تشاوتشيسكو) لتصفية الحسابات التاريخية معه، خلافًا لدول اشتراكية أخرى فضّلت الإنتقال السلمي لمرحلة ما بعد الاشتراكية. وفي الحالة الرومانية، تأتي المبادرة من الشعب في مواجهة توجّهات الفساد الرسمية، بغضّ النظر عن طبيعة الحكم والسلطة، اشتراكية يسارية كانت أو يمينية، وتمكّن الشعب من فرض إرادته وتأسيس وكالة وطنية خاصّة لمكافحة الفساد ذات صلاحيات كبيرة، تكفي لسجن أيّ شخص، مهما بلغت منزلته في الهيكلية الحكومية، وسجن كثيرون ممن ثبت تورّطهم في أعمال فساد ونهب أموال عامة.

خيارات متاحة
يدرك ليفيو دراغنيا زعيم الحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي تسلّم مرسوم تشكيل الحكومة، أنّ الاحتفاظ بالسلطة في ظلّ الظروف القاهرة التي تمرّ بها رومانيا أمرٌ في منتهى الصعوبة والخطورة، وهو شخصيًا يواجه حكمًا بالسجن سنتين مع وقف التنفيذ، لتزوير نتائج الانتخابات خلال العام 2012. وكان يأمل أن يتخلّص من هذه الأحكام، حال تمرير التعديلات المرغوبة في قانون العقوبات ومكافحة الفساد، لكنّ المظاهرات المتفاقمة التي يرتفع عدد المشاركين في قوامها، يومًا بعد يوم، بلغت أخيرًا شبابيك مكتبه، وليس من المتوقع أن تتراجع وتائرها من دون تحقيق الهدف المنشود. تبدو التعديلات المطروحة في الواقع بسيطةً، لكنّها تسمح بالسرقات الصغيرة، من دون الخوف من تبعات أو ملاحقة قانونية، يصاحب ذلك إطلاق سراح آلاف المساجين من السياسيين وموظفي الحكومة والسجون تعجّ بأمثالهم. ويبدو رئيس الوزراء الاشتراكي سورين غرينديانو الذي تسلّم الحكم في الرابع من شهر ديسمبر/ كانون الأول 2016 متمسّكًا بالمرسوم الصادر عن حكومته، لوقف ملاحقة الاختلاسات المقدّرة بما يقل عن 44 ألف يورو، والعفو عن المساجين والملاحقين بتهم الفساد، ما أدّى إلى اندلاع مظاهراتٍ تعتبر الأكبر منذ نهاية حقبة تشاوتشيسكو.
ليس مستغربًا تراجع حكومة غرينديانو عن المرسوم تحت ضغط الشارع الروماني، لكن هذه الخطوة جاءت متأخّرة، وقد توضّح للشعب النيات الكامنة للحكومة الاشتراكية. وقد سارع وزير الاقتصاد، فلورين جيانو، إلى تقديم استقالته، بعد أن واجه انتقادات واسعة من قطاع العمل الذي ينتمي إليه، مفضّلا البقاء إلى جانب الشعب في هذه المحنة التي ستؤدّي، من دون شك، إلى عقد انتخابات برلمانية مبكّرة، وقد حشدت الجماهير قرابة نصف مليون مواطن في ساحة فكتوريا وسط العاصمة، بوخارست مع نهاية أول أسبوع من شهر فبراير/ شباط الجاري، تعبيرًا عن رفض بقاء هذه الحكومة في السلطة، بغض النظر عن الخطوات التالية التي ستتّخذها لاحتواء السخط الشعبي.
تراقب دول كثيرة في أوروبا الشرقية، كبلغاريا وبولندا، عن كثب مجرى الأحداث في رومانيا،
وأرسلت إلى هناك وفودًا إعلامية، لوجود عوامل كثيرة مشتركة بين هذه الشعوب تفرض مناخًا متشابهًا في ظلّ وجود مخاوف عملية لاندلاع مظاهرات مشابهة، فالبلقان يبدو دائمًا مثل برميل من البارود والفتائل، متفرعة وموجودة في معظم أنحائه.
وقد رفض البرلمان البلغاري، أخيراً، تنفيذ حزمة من القرارات التي صوّت لصالحها قرابة 40% من قوام الشعب في الاستفتاء، وتشمل خفض المساعدات المالية للأحزاب السياسية إلى 10% من قيمتها الحالية، وخفض عدد النواب إلى النصف، وتغيير آلية الانتخابات النسبية بالكامل واعتماد آلية انتخاب الأفراد. هناك قلق كامن على مستوى واسع في البلاد، وفراغ إداري وسياسي، بعد تقديم استقالة الحكومة اليمينية بعد أقلّ من سنتين من توليها مقاليد الحكم، وقد تتفجّر الأوضاع في أيّة لحظة مقبلة، إذا أصرّت النخبة السياسية على تجاهل هذه المطالب التي ستؤدّي بدورها إلى رفع مستوى مكافحة الفساد في الطوابق العليا من السلطة في بلغاريا.

مصادر "شفافية بلا حدود"
تأخذ منظمة "شفافية بلا حدود" على محمل الجدّ كل البيانات التي تتوصّل إليها، وتعمل على تحليلها، وعقد دراسات متوازية بينها، لتحديد الدول التي تضع ضمن أولوياتها مكافحة الفساد. بدايةً، تدرس المنظمة استمرار الحكومات ومتوسط أعمارها، وهي قصيرة في دول أوروبا الشرقية، لاضطرارها غالبًا إلى تقديم الاستقالة، وتنظيم انتخابات مبكّرة بحثًا عن بدائل سياسية وهذه الآلية مستمرة منذ بدء المرحلة الإنتقالية، على الرغم من مرور ما يزيد على ربع قرن على بدايتها. في الوقت الذي نلاحظ فيه استقرار الحكومات في الدول الإسكندنافية والغربية الغنية، لقدرة حكوماتها على الوفاء بوعودها وموازناتها، وتحقيق التقدّم الاقتصادي. وتحتل دول شرق المتوسط وشمال أفريقيا مراتب متأخّرة في هذا المقياس، وتشهد مراتبها تراجعًا عامًا بعد عام.
المؤشر المهم الآخر هو مؤشر بيرتلسمان “Index of Transformation” المعنيّ بصورة أكبر وأوضح بالدول التي تمر بمرحلة انتقالية، وتحتاج إلى إجراء عمليات إصلاحية على الصعد، القضائية والاقتصادية والسياسية، وهذا يشمل دول أوروبا الشرقية كافة، وقلّة منها تمكّنت من تعديل وإصلاح حزم القوانين المعنية.
وبشأن الاستقرار السياسي، يلاحظ مجددا أن الدول العربية في مؤخرة القائمة، وتتقارب مع بيانات نالتها دول أوروبا الشرقية، مع ملاحظة تقدّم رومانيا سنويًا بصورة مستمرة وإيجابية مضطردة مقارنة مع دول عديدة في البلقان وأوروبا الشرقية انضمّت متأخّرة للمنظومة الأوروبية. ويعد الفساد القضائي الأكثر تعقيدًا وبات يفرض حضوره الثقيل بقوّة في الدول التي تخشى القيام بعمليات إصلاحية حقيقية، لأنّ هذا يعني بالطبع زجّ آلاف من القادة وطوابير الموظفين في السجون، كما في رومانيا. ويحتاج الإصلاح القضائي لإرادة قوية وهو العامل الأهم لتطوير المجتمعات وتحسين الأداء الإداري والسياسي.