مؤامرة على المغرب

مؤامرة على المغرب

01 فبراير 2017
الصورة
إذا رسب أحدهم فهو ليس مسؤولاً (فاضل سنا/فرانس برس)
+ الخط -
إذا ما انهزم المنتخب المغربي لكرة القدم تكثر التحليلات. إمّا أنّ الحكام هم الذين تسبّبوا في خسارة الفريق، أو هو العشب السيّئ. وفي حال رسب تلميذ تحمّل أسرته المدرّس المسؤوليّة لأنّه يكرهه. وإذا تأخّر موظّف في الوصول إلى عمله فالسبب هو تأخّر الحافلة أو تعطّل السيّارة. هي نظريّة المؤامرة كما يسمّيها كثيرون، والتي تطغى بصورة كبيرة على سلوك الأفراد في مختلف المجالات السياسيّة والاقتصاديّة وغيرها. في معظم الأحيان، يلجأ مواطنون إلى المؤامرة لتبرير تصرّف أو سلوك، ويبعدون عن أنفسهم مسؤولية أي خسارة.

في السياسة، كثيراً ما يقول رئيس الحكومة المغربيّة، عبد الإله بنكيران، إن هناك أطرافاً وتماسيح وعفاريت ترغب في عرقلة عمل الحكومة، وهي تتآمر من أجل المسّ باستقرار البلاد. وفي الاقتصاد، يتّهم بعض التجار المغاربة الاتحاد الأوروبي بالتآمر على طماطم البلاد، على سبيل المثال لا الحصر. وفي الرياضة، في حال انهزم منتخب كرة القدم يستنفر بعض المحلّلين ويربطون الخسارة بمؤامرة على المغرب من قبل حكام القارة الأفريقية، أو لأنّ العشب ليس مناسباً.

ولا يختلف الأمر في الفنّ. ففي قضيّة الفنّان المغربي الشاب سعد لمجرّد، الموقوف حالياً في فرنسا بتهمة محاولة اغتصاب شابة فرنسيّة، يتّهم مواطنون جهات معيّنة بالسعي إلى النيل من نجوميّة لمجرّد وأغنيته التي تناصر مغربيّة الصحراء. أما المغنّي الشعبي سعيد الصنهاجي الذي ظهر في مشاهد تخدش الحياء فيتّهم أطرافاً مجهولة بالسعي إلى تشويه سمعته والنيل من مساره الفنيّ الحافل.

في السياق، يقول المدرّب الرياضي محمد خليل سباعي لـ "العربي الجديد" إنّ "اللّجوء إلى نظريّة المؤامرة حلّ سهل بالنسبة إلى بعض المواطنين، بهدف إبعاد المسؤوليّة عنهم وتحميل الآخرين تبعات فشلهم أو تقصيرهم". يضيف أنّ بعض التلاميذ مثلاً "يصرّون على تحميل المدرّسين مسؤوليّة رسوبهم".



من جهته، يقول الباحث التربوي والنفسي محمد الصدوقي لـ"العربي الجديد" "نظريّة المؤامرة بحسب الفيلسوف جان بول سارتر تنحصر في أنّ الآخر هو الجحيم، وتعني تآمر الآخر الشرير على الذات الفرديّة أو حتى الجماعيّة من أجل إلحاق الأذى بها وتحطيمها وغيرها من الأفعال السلبية". يضيف أنّه "عادة ما يلجأ الأفراد والجماعات والدول إلى نظريّة المؤامرة لتفسير إحباطهم وفشلهم"، مشيراً إلى أنّ "ثمّة أسباباً معرفيّة ونفسيّة وتربويّة واجتماعيّة وثقافيّة وسياسيّة تفسّر اللجوء إلى نظرية المؤامرة من قبل الأفراد في المجتمع المغربي". من الناحية المعرفيّة، يوضح أنّه "في حال افتقر الفرد أو الجماعة أو المؤسسة إلى المعارف والمناهج العلميّة لتفسير وفهم الذات والآخر وإدراك الواقع والأحداث الموضوعية، فإنّ البديل يكون في اللجوء إلى الخرافة والسحر".

كذلك، يلفت الصدوقي إلى أنّ "عدم تحقيق شخصيّة الفرد يؤدي إلى طغيان الأنانيّة الطفوليّة، وبالتالي إسقاط كلّ ما هو سلبي في الشخصيّة وسلوكها على الآخر. وهنا، تلعب التربية دوراً حاسماً في تحقيق النضج". ويشرح أنّ "النضج يأتي من خلال تمكين الفرد بالقدرات والمعارف الضرورية لبناء الوعي حول الذات والآخر والواقع، واكتساب بعض السمات الإيجابية، على غرار تحمّل المسؤوليّة والثقة في النفس والفعاليّة وعدم الاتكال على الآخرين، ما قد ينعكس سلباً أو إيجاباً على تفسير فشله وإخفاقاته وأخطائه، والقدرة على التمييز بين مسؤوليّته الشخصية ومسؤولية الآخر.. أي المؤامرة".

ويرى الصدوقي أنّ "الثقافة السائدة في المجتمع المغربي تطغى عليها ثقافة التبرير، فالآخر هو عدوّ أو شرير"، موضحاً أنّ "هذا يفسّر لجوء عدد من الناس إلى السحر والخرافة، وتحميل الآخرين دائماً مسؤولية أخطائهم. وعادة ما يحمّل الأفراد مسؤوليّة مشاكلهم ومعاناتهم للدولة والأحزاب والنقابات نتيجة الفساد والتلكؤ، ولا يميّزون بين مسؤوليّاتهم ومسؤوليّة هذه المؤسسات".

ويلاحظ الصدوقي أنّ "الأحزاب والنقابات ومؤسسات الدولة تؤمن كذلك بوجود مؤامرة تستهدفها، وبأنّ هذا هو السبب الوحيد لفشلها وضعفها ومشاكلها، من دون أن تتحمّل المسؤولية". ويتابع أنّ "نظريّة المؤامرة السائدة في المجتمع المغربي قد تكون صحيحة في تفسير بعض النتائج والأحكام والمعطيات الفردية أو الجماعية أو المؤسساتية. لكنّ التمييز ضروري بين مسؤولية الفرد ومسؤولية الآخر".