ليس دفاعاً عن النساء فحسب

03 أكتوبر 2019
الصورة
الصوت سيصل حتماً (حسين بيضون)
حدث ذلك في أواخر الثمانينات. كان أحمد (اسم مستعار)، صياداً فقيراً وسكيراً، يعيش في منطقة شعبية في بيروت، يصنع الأقفاص البحرية ويصيد السمك ويسكن مع عائلته في بيت من غرفة واحدة.

أحمد، رغم أنه من عائلة بيروتية كبيرة، كان من أفقر الناس. يتحدث مع الآخرين، عندما لا يكون مخموراً، بدونية وانكسار واضحين. لكنه، مع كل هذا البؤس، كان شخصاً مؤذياً، وكان ضعفه هذا ينقلب أذىً وعنفاً على من هم أضعف منه. إذ كان كلما يعود بحالة سكرٍ، يعتدي بالضرب على زوجته ما تسبّب لها مراراً بحالات من الإغماء.

لم يكن أحد من الجيران يتدخل عند وقوع الاعتداء، الذي كان شبه يومي ومستمرا، فالأمر "شأن عائلي"، والبلد في حال من الحرب والفوضى، والأولويات أهم من سيدة أو أطفالها يتعرضون للاعتداء! لم يقف في مواجهة أحمد، وقتها، إلا ابنه البكر، وكان بعد مراهقاً ضعيف البنية والإرادة، فيتلقى الضربات والصفعات بجسده الهزيل، نيابةً عن أمه وعن إخوته الصغار، بقدر ما كان يحتمل.

حدث قبل أيام أن خرجت مجموعة من التظاهرات المنددة بالعنف الذي تتعرض له النساء في بيروت ورام الله وحيفا وفي مدن أخرى. عنف توالت حوادثه مؤخراً من اعتداء الأخ على اخته بالمطرقة الثقيلة، أو تعذيب جدة وحرقها لحفيدتها الطفلة، أو قتل صبية على يدي شقيقيها وزوج أختها لأن سلوكها لم يعجبهم. قال البعض كلاماً مكرراً إن الوقت الآن ليس مناسباً لهذه التظاهرات، وقال آخرون إن مشاكلنا الأخرى أهم من هذه التظاهرات، ولاذ كثيرون بالصمت.

حوادث العنف، سواء كانت عائلية أو غير ذلك، لم نكن لنعرف بها بهذا الشكل عند وقوعها، في كل مدينة وحيّ ومنزل، لولا أنها انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي. حوادث لم تكن لتستمر وتتزايد بهذا الشكل لو لم نرتضِ (وما زلنا) بأنها شأن عائلي أو ثانوي أو فردي.



لم يكن العنف الأسري يوماً مسألةً عائليةً ولا ثانويةً ولا فردية، ولن يكون، فليس هناك أكثر فداحةً من إهانة الإنسان وكرامته، والتسبّب له بالأذى. الواجب أن يكون هذا الموضوع في سقف اهتماماتنا، في كل حين، إذ نحافظ من خلاله على ما بقي لنا من إنسانية ومدنية في هذه المجتمعات التي تتفتت بنيتها الهشة في كل لحظة.

الواجب أن نتصدى لهذا الأذى في كل مرة، وفي كل مناسبة، وبكل الوسائل المتاحة حتى لو كانت مجموعة من الأصوات الصارخة في تظاهرة، غصّ البعض بها أو ظنّوا أنها ليست مجدية.

الواجب أن نفعل ذلك، قبل أي سبب، كي لا يقف ابن أحمد، وحيداً وعاجزاً في كل مرة، بمواجهة الشرّ الذي قد يأتي في صورة أب أو زوج أو جدة أو أي وجهٍ آخر من أفراد العائلة.