لهذه الأسباب يبيح "المداخلة" بيع آثار ليبيا

لهذه الأسباب يبيح "المداخلة" بيع آثار ليبيا

02 ابريل 2018
الصورة
معلم أثري في البلاد (محمود تركية/ فرانس برس)
+ الخط -
لم تصدر تلك الفتاوى التي تبيح بيع الآثار في ليبيا عن هيئة أو جهة تابعة لواحدة من المؤسسات الليبية الرسمية، فقانون البلاد يجرّم بيع الآثار والاتجار بها، إنّما تعود إلى شيوخ من تيار "المداخلة" (يتبعون منهج الشيخ السعودي ربيع المدخلي) الذي تتواجد جماعته في شرقيّ البلاد حيث نجد الآثار. وتلك المنطقة تُعَدّ الأغنى بالآثار المنقولة والتي ما زالت مطمورة تحت التراب في مساحات واسعة.

وتلك الفتاوى التي راجت أخيراً تستند بحسب ما يقول أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعات الليبية، محمد كريم، إلى "حرمة التصوير وصناعة التماثيل في الإسلام". يضيف لـ"العربي الجديد": "رأينا الإعلام يتناقل في السنوات الماضية فتاوى مشابهة صادرة عن شيوخ السلفية المدخلية في مصر وغيرهم، تبيح بيع الآثار. ولا يبدو أن فتاوى تيار المداخلة في ليبيا تبعد كثيراً عن ذلك إذا بحثنا في أصولها الشرعية التي استندت إليها". ويتابع كريم أنّه "على الرغم من الجدال الفقهي حول المسألة، فإنّها خلافية ولا يوجد إجماع حولها بين الفقهاء. ومن جهته، يرى تيار المداخلة نفسه ممثلاً للإسلام ولا يقبل بآراء الآخرين". ويلفت كريم إلى أنّ "التنقيب عن الآثار في المساحات الواسعة حول المدن الأثرية ليس أمراً جديداً، إلا أنّ من يعمل فيها وجد في فتاوى هؤلاء الشيوخ مستنداً. أظنّ أنّهم وفّروا حماية غير مباشرة لتجار الآثار، فالمداخلة لديهم حصانة في شرقي البلاد إذ إنّهم الداعم الأول للعسكر المسيطر هنا".

وعن شكل تلك الفتاوى، يقول كريم: "هم يعدّون الآثار أصناماً ومجسّمات لا يبيحها الشرع، تأتي من أقوام كفّار كانوا يعيشون هنا. لكنّ اللافت في رأيهم المستجد هو الانتقال من فتاوى طمس تلك الآثار وتدميرها إلى جواز بيعها والاستفادة من الأموال التي تجنى من خلالها".



ويوضح كريم أنّ "هؤلاء يستندون في فتاويهم إلى ما يُعرف بالركاز في الإسلام، وهو كل ما ظهر من باطن الأرض من معادن أو غيرها. من يعثر عليها في أرضه يبيعها شريطة أن يدفع خمس ثمنها لبيت المال. هي من حقّه إذ إنّها وُجدت في أرضه المملوكة له".

ورداً على سؤال عن الأشخاص المسؤولين عن تلك الفتاوى، يقول كريم: "هم لا يأتون بجديد
وليسوا في مستوى الاجتهاد الفقهي، بل هم يرددون عادة ما يأتيهم من شيوخهم في خارج البلاد. لكنّ الذين يروجون لهذه الفتاوى بمعظمهم، يقولون إنّ صاحبها هو الشيخ يوسف الدغاري المعروف محلياً وعلى نطاق واسع باسم أبو عبد الرحمن المكي الذي عاش لفترة من الزمن في السعودية وظهر كثيراً وهو يسرد أدلة شرعية ويدعو إلى القتال إلى جانب قوات الجيش (قوات خليفة حفتر)". ويؤكد: "أظنّ أنّ هذا كاف لصحة نَسب هذه الفتاوى إلى المداخلة".

من جهته، يقول مسؤول في مصلحة الآثار التي استقلت بإدارة جديدة شرقيّ البلاد، كما هو شأن كل المؤسسات الليبية من جرّاء الانقسام السياسي في البلاد، إنّ "أثر هذه الفتاوى موجود في أكثر من منطقة في ليبيا". يضيف المسؤول الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لـ"العربي الجديد"، أنّه "في منطقة الغريفة جنوبيّ ليبيا حيث الأهرامات الليبية، تواصلنا من خلال علاقات شخصية مع بعض الشباب الناشطين في مجال التنقيب الجائر عن الآثار، ووجدنا أنّ في حوزتهم صورة لفتوى نشرها أحد مواقع الإنترنت تبيح بيع الآثار. وثمّة ما يشير إلى أنّهم يدفعون جزءاً من ثمن ما يبيعونه إلى طرف معيّن".


في صبراتة (getty) 


ويلمّح المسؤول نفسه إلى "إمكانية أن تكون ثمّة دواع سياسية وراء تلك الفتاوى التي ظهرت فجأة. نحن نظنّ أنّها جزء من تمويل المجموعات المسلحة. ومن المعروف أنّ المليشيات لا سيّما في الجنوب، يُسمح لها بالنشاط في تجارات مشبوهة لتمويل نفسها بدلاً من دفع رواتب لعناصرها. وأظنّ أنّ إباحة بيع الآثار جزء من مشروع تمويلها". ويتابع أنّ "مصلحة الآثار بفرعَيها في طرابلس والبيضاء عاجزة تماماً عن حماية الآثار بسبب الانفلات الأمني، وما نقوم به جهود شخصية بحتة. وقد واجهنا كثيراً مداخلة بدعوى أنّنا نحمي آثار الكفار وأنّ توفير الحماية للمواقع الأثرية مناف لتعاليم الإسلام. بالتالي، لا أرى جديداً في أن يفتي هؤلاء بإباحة بيع الآثار بعدما قادوا حملات مسلحة خلال عامَي 2012 و2013 لطمس معالم أثرية مهمة في البلاد كالأضرحة والزوايا. كذلك، فإنّ اختفاء تماثيل مهمّة من وسط العاصمة خلال العامَين المذكورَين ليس بعيداً عن مثل هذه الفتاوى".

في السياق، يحذّر محمد كريم من "تعاون محتمل بين جهات مسؤولة وتجار الآثار، من خلال الاستفادة من الركاز. ويلفت إلى أنّ "تلميحات المسؤول في مصلحة الآثار حول طرف يحصل على جزء من ثمن الآثار، ربما تشير إلى أنّ هيئة إفتاء المداخلة تحصل على خمس ثمنها، بالتالي لا بدّ من أن يواجه الأمر جدياً ورسمياً على الصعيد القانوني وعلى صعيد الشريعة الإسلامية التي تنفي صلة هذه التجارة بالركاز ومفهومه في الإسلام".



ويتحدّث هنا القانوني الليبي صالح القبي لـ"العربي الجديد" عن "ضعف كبير في القانون الخاص بالآثار، لا سيّما لجهة العقوبات". ويوضح أنّ "مصلحة الآثار تأسست بناء على قانون عفى عليه الزمن، يزيد عمره عن سبعين عاماً، وآخر تطوير له كان في شكل القانون رقم 3 لسنة 1985 من دون أن يختلف عن صيغه السابقة". يضيف القبي أنّ أبرز نقاط ضعف هذا القانون تتعلّق "بالعقوبات التي ينصّ عليها. فهي عقوبات ضعيفة سواء الغرامة المالية المفروضة أو مدّة السجن أو تصنيف الجريمة كجنحة". ويتابع القبي أنّ "هذا القانون يمنع الاتجار بالآثار ولا يعطي حق التنقيب لصاحب الأرض بحثاً عنها ومن ثمّ بيعها. لكن، لو نظرنا إلى العقوبة في حال أدين صاحب الأرض، فسوف نجد أنّها لا تتجاوز بضعة دنانير في حال الغرامة المالية ولا تتجاوز الشهر الواحد في حال السجن. وهذا إذا لم ننظر إلى إمكانية الاستئناف في ظلّ الظروف الحالية التي لا يمكن بأيّ حال من الأحوال إثبات التهمة على أيّ متهم".

وإذ يشير القبي إلى أنّ "الجهات التشريعية في البلاد لا سيّما مجلس النواب، لم تطوّر هذا القانون لتضمينه عقوبات رادعة ضدّ هؤلاء المخالفين"، يؤكد أنّه "حتى لو جرى تطويره فإنّ البلاد تفتقر إلى الجهات القضائية والأمنية المسؤولة عن تنفيذه". ويقول: "القانون يمنع الاتجار بالآثار، فما الذي يمنع الشرطة من الإطباق على التجار الذين لم يعودوا يخفون أنفسهم. الجواب هو انهيار الأجهزة الأمنية وضعفها في مقابل قوة المليشيات التي لا يشك أيّ متابع بأنّها ناشطة
في تجارة الآثار".

دلالات