لن يُذبح حيوان في بلجيكا من دون تخدير

27 ابريل 2017
الصورة
إلى الذبح... (إيريك لالمنان/ فرانس برس)
+ الخط -
ابتداءً من عام 2019، سوف يحظر ذبح الحيوانات من دون تخدير في منطقة الفلاندر شمال بلجيكا بهدف تجنيبها الألم، بعد اتفاق سياسي وقّع في مارس/ آذار الماضي بين كلّ المكوّنات السياسية هناك. ويعقد برلمان منطقة والونيا (جنوب) جلسات استماع في أبريل/ نيسان الجاري لمناقشة القضية، على أن تليها خطوة التصويت على توقيت بدء الحظر النهائي فيها. أمّا مدينة بروكسل التي تعدّ هي الأخرى إقليماً بحسب النظام الفدرالي البلجيكي، فمن المترقب أن يصوّت برلمانها على المنع في الأشهر المقبلة، لكي يصبح القانون سارياً على كامل التراب البلجيكي.

وتُعدّ هذه القضية حساسة جداً، فعلى الرغم من الدعم السياسي لفرض الحظر منذ سنوات، إلا أنّ تقديم مقترحات تشريعية مقبولة كان صعباً بسبب الموقف النقدي لمجلس الدولة، أعلى هيئة قانونية في البلد. الملف يتعلق بتطبيق قرارات أوروبية تخص الرفق بالحيوان في الوقت الذي تسعى فيه السلطات البلجيكية إلى احترام الحرية الدينية لكل الجاليات. فالحظر يستهدف كذلك طقوس الذبح الدينية، المسلمة واليهودية، وهو ما يعني بالنسبة إلى مجلس الدولة انتهاكاً للحرية الدينية التي يضمنها الدستور. لهذا اقترح المجلس على المشرّعين التعاون مع ممثلي الطوائف الدينية المعنيّة، لإيجاد حلّ يرضي كل الأطراف، بالإضافة إلى تعيين وسيط من قبل الحكومة لتنظيم المشاورات.

وقد استند التشريع المصوّت عليه إلى توصيات هذه اللقاءات، وهو ينصّ على ضرورة ذبح الأغنام والمجترّات الصغيرة وغيرها بعد صعقها بتيار كهربائي موجّه إلى دماغ الحيوان لتخديره. يُذكر أنّ الحيوان بعد الصعقة يكون في حالة لاوعي، وليس فاقداً للحياة، وهو أمر مهم بالنسبة إلى الذبح على الطريقة الإسلامية والطريقة اليهودية. وهذه التقنية ما زالت في حاجة إلى تطوير لتصبح أكثر فعالية بحلول عام 2019 بحسب ما يفيد الخبراء المعنيون.
وإذا كانت مناسبة عيد الأضحى خلال السنوات الماضية قد دفعت المسلمين في البلاد إلى مواجهة مقترحات حظر الذبح من دون تخدير، فإنّ اعتماد القانون استُقبل بغضب من قبل اليهود الذين كانوا قد اختاروا الحوار حتى الآن. فممثلوهم يرون أنّ ثمّة رفضاً واضحاً من قبل السياسيين لأخذ البعد الديني في طقوس الذبح بعين الاعتبار، بالإضافة إلى سلسلة من الخلافات لا سيما التصريحات التي أزعجتهم.

يقول كبير حاخامات بروكسل ألبير غيغي لـ "العربي الجديد": "نحن نعيش أزمة حقيقية هذه المرة. عند نقاش التشريع الجديد، تحدّث السياسيون عن ضرورة اندماج المهاجرين. فهل يُعَدّ اليهود مهاجرين جدداً في بلجيكا، في حين أنّ المجلس الكنيسي اليهودي في بلجيكا كان قد تأسس في ظل حكم نابليون بونابرت، أي قبل نحو 210 سنوات؟ وهل يمكن القول بأنّ اليهود ليسوا مندمجين، بينما تعيش أسرتي في البلاد منذ ستة أجيال؟". يضيف غيغي أنّ "الذبح وفقاً للطقوس الدينية يخفّض بأكبر قدر ممكن معاناة الحيوانات، وذلك اعتماداً على خبرات تعود إلى مئات السنين من التجربة، وقد جرى التأكيد عليها في التوراة والتلمود ومدوّنات قواعد الشريعة اليهودية". ويشير إلى أنّ "نصوص الكتاب المقدس تشدّد على مبادئ احترام الحيوان. كذلك فإنّ الزعماء الدينيين اليهود يصرّون على ضرورة الامتثال للقواعد الصارمة خلال الذبح".



وإذا كان غيغي ما زال يأمل في التوصل إلى حل يأخذ في الاعتبار مسألتَي الرفق بالحيوان وحرية العبادة، إلا أنّه لا يتردد في القول "إذا فرض مثل هذا الإجراء بصورة قاطعة، فإننا جميعاً سنصبح نباتيين". وهي رسالة إلى ممثلي قطاع اللحوم والمسالخ الذين كانوا قد عبّروا عن خشيتهم من فقدان جزء من مداخيلهم. فحظر الذبح بحسب الطرق الدينية قد يدفع المواطنين إلى العزوف عن استهلاك اللحوم أو استيرادها من الخارج.

من جهتهم، لم يفوّت مسؤولو المجلس التنفيذي لمسلمي بلجيكا، الهيئة التي تمثل المسلمين لدى السلطات البلجيكية، فرصة تعبير الجالية اليهودية عن غضبها للتأكيد على أنّهم يؤيدون مواقف المجلس الكنيسي اليهودي في بلجيكا. ويوضح رئيس المجلس صالح الشلاوي لـ "العربي الجديد" أنّه "لن يصار في أيّ حال من الأحوال إلى التخلي عن الذبح بالطريقة الإسلامية.

فالمجلس أرسل مذكرة مكتوبة إلى السلطات البلجيكية للتذكير بالمبادئ الإسلامية المتعلقة بالرفق بالحيوان وضرورة الحفاظ على الذبح بالطريقة الدينية". ويضيف أنّ "للمسلمين رغبة في استمرار اقتناء لحوم حلال تتفق مع طقوسهم ومعتقداتهم الدينية". وبحسب رئيس تنسيقية المؤسسات الإسلامية في بلجيكا، كوسكون بايازغول، فإنّ "مجلس علماء الدين أصدر في عام 2010 رأياً رافضاً للتخدير قبل الذبح. وهو لم يغيّر رأيه، إلا أنّه مستعد للنظر في كل التدابير التي قد تؤدّي إلى تعزيز الرفق بالحيوان والحدّ قدر الإمكان من معاناته".

وكان المسلمون قد قاطعوا التنظيم الرسمي لمراسم آخر عيد أضحى، بعد قرار السلطات بفرض تخدير الحيوانات قبل ذبحها في المسالخ التي خصصت للمحتفلين بالعيد. ويقول الناشط الحقوقي عادل التليدي لـ "العربي الجديد": "لا يبدو أنّ الملف سيجد حلاً، على الأقل على المدى القريب. فممثلو الطوائف الدينية يتشبّثون برفض التخدير، بينما تفرض التشريعات الأوروبية ذلك، في وقت يسعى مجلس الدولة إلى تطبيق بنود الدستور".

تجدر الإشارة إلى أنّ المركز العلماني اليهودي وحده، طالب على لسان رئيسه هنري غوتمان السلطات الدينية اليهودية بضرورة تحديث الشريعة اليهودية لتتماشى مع العيش في دولة علمانية.

دلالات