لبنان.. 17 تشرين صامدة

26 أكتوبر 2019
الصورة
+ الخط -
مخطئ من يظنّ أن الأمور في لبنان ستعود إلى ما قبل 17 أكتوبر/ تشرين الأول. ولّى زمن قمع الناس لتغيير رأيهم وطمس مطالبهم. بعد عشرة أيام تقريباً على ثورة شعبية اجتماعية لم يسبق لها مثيل في البلاد، بات من الصعب إعادة الساعة إلى الوراء. انتهى زمن إخضاع الناس بالقوة. للحرية ثمنها وللتحرّر أثمانه. يُقال في بيروت إن اتفاقاً تمّ بين أركان السلطة لقمع المتظاهرين والمعتصمين في الشوارع والساحات، وإن كل من يتظاهر أو رافض للسلطة سيعتبر "عميلا" و"مندسّا"، وسيتم التعامل معه على هذا الأساس. وتُهدّد السلطات والأحزاب، عبر وسائل إعلامها، بأنه صباح يوم الاثنين "سيعود الأمر إلى طبيعته"، مع ما يكلّف ذلك من دمٍ وضحايا. دائماً تحت حجج واهية، مثل "يريد الناس الوصول إلى أعمالهم"، مع العلم أن 50% من اللبنانيين تحت خط الفقر، والباقي يعمل برواتبٍ زهيدة للغاية، وأقلية سياسية ـ عسكرية ـ دينية تُمسك بالاقتصاد اللبناني. 
لا يهمّ، سيسعون إلى فضّ كل شيء بالقوة. سيسقط ضحايا. سيُعتقل كثيرون. ستحاول السلطة استغلال عدم وجود دعمٍ للمتظاهرين لا من الخارج ولا من الداخل. ومع أن السلطة مدعومة من إيران والسعودية والولايات المتحدة وروسيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي، إلا أنها خائفة من رفض الناس لها. ما فُرض على الشعب بالقوة، سواء من إفرازات الحرب اللبنانية (1975 ـ 1990)، أو بعدها، سينتهي. لا شيء يدوم إلى الأبد، والقمع سيؤدي إلى التحرّر. من يتابع ما يجري في أروقة القرار في بيروت يعلم أن عمليات تحويل الأموال إلى الخارج مستمرة، فالانهيار المالي الذي بدأ قبل الثورة لن يتوقف. باتت الكتلة النقدية اللبنانية ضئيلة للغاية، والاستحقاقات المالية كبيرة جداً، إلى درجة عدم قدرة الدولة على السداد.
للذين لا يريدون الغوص في التفاصيل اللبنانية الدقيقة، عليهم دائماً تذكّر أن المناطق الخاضعة للأحزاب انتفضت بوجه قياداتها وطوائفها. صحيحٌ أنه أمر غريب في لبنان، لكنه حصل. يُمكن وصفها بـ"المعجزة" أو "تحوّل فجائي"، غير أن الأحزاب تسوّق نظريات المؤامرة، ومنها أن الثورة مموّلة من الخارج. طبعاً، اعتاشت الأحزاب في لبنان من الدول العربية والإقليمية، سواء في حرب لبنان أو بعدها، لذلك يعتبرون أن الناس تشبههم. حسناً، لو أن الناس مموّلون من جهات خارجية، هل سيستمرون بتظاهراتهم بهذا الزخم، أو حتى يواجهون أزلام السلطة وزعرانها بثبات؟ على كل عاقلٍ أن ينظر حوله في بيئته، ملقياً نظرة على ظروفها وفقرها وجوعها، وحينها ليقل للناس "إنكم مدفوعون من الخارج". حسناً، ألم يكن الأجدى أن تساهم السلطة في تأمين الحدّ الأدنى للناس من حياة كريمة وحرّة وإنسانية، بدلاً من تركهم يعانون ويموتون ويمرضون ويُقتلون؟ طبعاً، لكن السلطة لا تنظر إلى الناس بوصفهم أناسا، بل تعدّهم أرقاما ضرائبية لتمويل جيوبها.
ماذا بعد؟ سيحصل الكثير، فحزب الله لا يرغب في استمرار التظاهرات، بل سيؤدي دور "حارس النظام"، أي النظام الذي يضمّ خصومه وحلفاءه، من تيار وطني حرّ وقوات لبنانية وحزب تقدمي اشتراكي وتيار مستقبل وحركة أمل. سيحمي حزب الله جميع هؤلاء، وسيكونون معاً ضد الناس وحقوقهم، كما جرت العادة. لن يعبر هؤلاء إلى دولة مدنية، بل يريدون تكريس طائفيتها وجمودها. ولكن تاريخياً فات الأوان. الزمن لا يعود إلى الوراء، والتغيير في العقل الجماعي سيؤدي إلى أمرٍ أكبر بكثير مستقبلاً. وضع "17 تشرين" نواة أولى لتشكيل شعب لبناني عابر للطوائف والمناطق. وما يريده النظام هو إبقاء الشعب اللبناني مجرّد شعوب متناحرة، تتقاتل من أجل ديمومة أحزاب السلطة ومكتسباتهم. لا يهمّ، السلطة تملك شارعاً رعته عقودا وستستخدمه، لكنها ستخسر كل شيء في وقتٍ قريبٍ. لا تنسوا أوروبا الشرقية وجدار برلين، ولا تنسوا تونس ولا السودان. إنه لبنان، يا سادة.