لبنان.. ولّى زمن الإحباط

02 نوفمبر 2019
الصورة
في خلفية الصورة العامة التي استولدتها انتفاضة 17 أكتوبر/ تشرين الأول اللبنانية، تمترست صور وحكايات صغيرة، أفراد قلقون ومُحبطون وخائفون. منهم من يخشى "سقوط الحلم" ومنهم مرعوبٌ من فكرة العودة إلى ما قبل تاريخ الانتفاضة. من حق هؤلاء الذين أملوا ويأملون بولادة لبنان جديد الشعور بهذا الكمّ من المشاعر المتناقضة. الطبيعة الإنسانية تتحرّك عادة بعنف في أي موجة جماهيرية انفعالية، تدفع المرء إلى التنقل بين ضفتي الأسئلة المشروعة والقلقة وبين العمل على تحقيق الحدّ الأقصى من الأحلام. وفي أثناء عملية التنقل والمقارنة، يخشى الإنسان الكثير، وأكثر ما يخشاه هو العودة إلى الوراء، أو قمع أحلامه وتطلعاته. 
حسناً، ما فعلته انتفاضة 17 أكتوبر لم يكن "لحظة مرحلية" كما يحلو لبعضهم الاعتقاد، فقد شرّعت الأبواب أمام حراكٍ مماثل عابر للطوائف في المستقبل الذي يبدو قريباً بفعل الأزمة المالية الخانقة. ثم إن استقالة حكومة سعد الحريري تحت ضغط الشارع، وهي المكوّنة من أطراف سياسية مهيمنة على القرار الدولتي ليست تفصيلاً أبداً. محاولة شيطنة الحراك الشعبي، ثم تخوينه واعتباره مموّلاً من سفارات ودول خارجية يتناقض تماماً مع محاولات تسلّقه والمشاركة فيه لدى كل الأحزاب، وهو دليل قاطع على صدق الحراك، وكونه نابعاً من صميم الواقع اللبناني. هذا الأمر ليس تفصيلاً، مهما حاولوا تحجيمه.
شهد المقيم في لبنان، في الأيام الأخيرة، كيفية انتشار شائعاتٍ كاذبة عن حصول حوادث أمنية وفتنوية، إذ بلغ رعب الأحزاب إلى حدّ تأليف رسائل صوتية لإثارة الذعر في صفوف اللبنانيين، واللعب على الوتر الطائفي، ولكن ذلك كله سقط. كما أن الاستدعاءات الأمنية والحزبية للناشطين، من دون اعتقال أي من المعتدين على المعتصمين في بيروت وصور والنبطية وبنت جبيل والهرمل وعاليه وعكار وصيدا، تُشكّل ذخيرةً لمستقبلٍ آتٍ ستسقط فيه أصنام الأحزاب وقياداتها. الحلم والأمل وُلدا للتوّ ولن ينتهيا، أما الآن فالسؤال الأهم هو ما الذي سيحصل؟
ستحاول السلطة وأحزابها تدوير الزوايا لإعادة شدّ أنصارها وعَصَبَها الطائفي، وستنجح لفترة قصيرة، قبل أن تعود إلى سابق عهدها. لن يقبل أحد من الموجودين اليوم محاربة الفساد، فحزب الله الذي يواجه مشكلةً مع المصرف المركزي وحاكمه رياض سلامة، ويعتبره أمين العقوبات الأميركية على الحزب، دافع عن سلامة أخيراً، واستطراداً عن المصارف كافة التي تتحمّل مسؤولية كبيرة عما بلغه التدهور الاقتصادي. التيار الوطني الحرّ، وبعدما عمل أنصاره وقناته التلفزيونية على تخوين الناس والمتظاهرين، فوجئوا بأن رئيس الجمهورية ميشال عون أيّد الحراك في خطابات متتالية. تيار المستقبل، الذي لم يشارك أساساً في الحراك، حاول استعطاف الرأي العام السنّي بأن "استقالة سعد الحريري هي هزيمة للسنّة"، علماً أنه يمكن فعل الكثير بـ16 مليون دولار لتحسين جزء بسيط من البنى التحتية في المناطق ذات الأكثرية السنية. ولكن الحريري فضّل دفع المبلغ في جنوب أفريقيا. أما وزير الخارجية في الحكومة المستقيلة، جبران باسيل، فاكتشف أن حلمه الرئاسي لخلافة عون انهار بفعل سلوكه ومواقفه المتناقضة، فضلاً عن استخدامه لغة الاستعلاء في تصرّفاته. تاريخ لبنان علّمنا أن ما من لبناني رفع إصبعه تجاه لبنانيّ آخر إلا خسر. الحزب التقدمي الاشتراكي حاول التمظهر بصورة "الطفل البريء"، وهو المعروف بأنه من المشاركين في الفساد في لبنان منذ عام 1992، بينما ينهمك عناصر حركة أمل الذين اعتدوا على الناس في معظم المناطق الجنوبية والبقاعية وبيروت، بتدوين أسماء الناشطين بغية التضييق عليهم. وهو ما يظهر في محاولات تسجيل فيديوهات يعتذر فيها بعض الناشطين، تحت الضغط، عن مشاركتهم في الحراك. ماذا يعني هذا؟ يعني أن الحقّ لن يُهزم، وأن الهدنة بين مرحلتين لن تدوم طويلاً، ولبنان الجديد لن يعود إلى الوراء، فالوعي تراكميّ.