لا أعرف حياة الفهد

لا أعرف حياة الفهد

08 ابريل 2020
الصورة
+ الخط -
لا تختلف كثيرًا حياة الفهد التي تنادي بطرد غير الكويتيِّين من بلادها عن الذين قرّروا عدم علاج مرضى التوحُّد والشلل الدماغي، في حال إصابتهم بفيروس كورونا، وعن الذين قرّروا أن يكون الأفارقة فئران تجارب، هؤلاء الذين لم تصل إليهم رسالة كورونا بعد، الذين رسبوا في امتحانها بجدارة، فلا تزال اللاإنسانية والعنصرية في خلاياهم.
سمعت اسم حياة الفهد الذي عُرفت به فنِّيًا، وهو "خالتي قماشة"، حين كانت خالتي قادمة من الخليج، في زيارة إلى غزة، في إجازة الصيف في أوائل الثمانينات، حيث كنّا نتابع قناة التلفزيون الأردني، فصرخت خالتي فرِحةً إنها سوف تشاهد مسلسل "خالتي قماشة": للمرّة الثانية، فيما كنّا أنا وأمي وإخوتي نلتفّ حول التلفاز، ولا نفهم شيئًا مما يدور من حواراتٍ باللهجة الخليجية، وتركنا خالتي التي تعمل معلِّمة في الخليج تستمتع بالمسلسل، وتقوم بدور المترجم لأمي، وهي تحكي لها قصة الحماة المتسلّطة قماشة، ولم يعْلَق في ذهني، وقتها، سوى صورة حياة الفهد، كأنها أول ممثِّلة خليجية أتعرّفها، ولم أنسَ وجهها، ولكني لم أتابع أيًّا من أعمالها، بعد ذلك.
لفتني اسم حياة الفهد، هذه المرّة، بعد تصريحها أخيرا، عن ضرورة التخلُّص من العَمالة الوافدة في الكويت التي تواجه فيروس كورونا مثل باقي الدول، وتقترح إعادتهم إلى بلادهم، مع علمها الأكيد استحالة ذلك؛ بسبب توقُّف حركة الطيران، أو رميهم في البرّ، أي الصحراء؛ لأن الكويت غير مكلَّفة بهم، ويجب أن تتكفّل بعلاج مواطنيها فقط.
كشف ما قالته حياة الفهد حقيقة دواخل نفسها، وإنْ كانت مجرّد ممثلة، فهذا الرأي العنصري الظالم لا يختلف، ولا يبتعد، عن قرار من حاكم ولاية ألاباما الأميركية بترك الأشخاص ذوي الإعاقة، حتى المصابين بمتلازمة داون والشلل الدماغي والتوحُّد (احتفل العالم باليوم العالمي للتوحُّد قبل أيام) ليموتوا بسبب فيروس كورونا في حال إصابتهم به، وترك أجهزة التنفُّس الصناعي للمرضى الآخرين؛ لأن الإمكانات لديهم محدودة، والأولوية للأصِّحاء، وفي فرنسا التي تجري فيها الأبحاث على قدم وساق، خرج العلماء الفرنسيون بمقترح لتجربة اللقاحات الجديدة الجاري تصنيعها للقضاء على فيروس كورونا على سكَّان أفريقيا، وكأنهم فئران تجارب.
لا يفرّق فيروس كورونا بين جنس أو عِرق، وانتشر في دول عديدة، وأصاب آلافًا من البشر؛ فهل تنتهي أزمة جائحة كورونا، وقد استطاع العالم أن يوقف كل أشكال التمييز والعنصرية، وأن يقف العالم ضد التحريض وانتهاك الحقوق على أساس قومي، أو عرقي، أو ديني، أو جندري؟ هل يمكن أن تنتهي أزمة فيروس كورونا، وتبقى الدروس الإنسانية المستفادة؛ بأننا كلَّنا بشر، ومتساوون، ولنا الحقوق نفسها، وأبسطها العلاج والرعاية الصحية؟
لا يمكن أن يحدث ذلك من دون أن توضع حياة الفهد وأمثالها في أماكنهم الصحيحة، أوِّل خطوة، الخطوة التي يجب أن نبدأ بها؛ لأنها في متناول أيدينا، فاليوم تطلُّ حياة الفهد وأمثالها؛ ليملأوا العالم بُغْضًا وكراهية، هو في غنى عنهما، فيما يموت أطِّباء من جنسيات عربية في أوروبا، وهم يكافحون فيروس كورونا، في وقت لا يمتلك المواطن العربي في بلادهم الوعي الصِّحي للوقاية منه؛ لانشغاله بتدبُّر لقمة يومه، والحكومات في بلادهم أيضًا غير قادرة على اكتشاف المصابين وعلاجهم؛ لأنها أمضت السنوات الماضية في أكل لحم شعوبها ونهشها، بالفساد والقهر والديكتاتورية، وتغييب الوعي بقضايا مختلقة .
إن اللحظة التي يكرَّم فيها الطبيب، ويحصل على راتب وزير، وتُحفظ فيها مكانة الممرِّض والممرِّضة في الصروح الطِّبية، هي اللحظة التي يبدأ فيها تهاوي صروح أمثال حياة الفهد، وهي اللحظة ذاتها التي ستدقُّ أوَّل مسامير في عرش العنصرية العالمية؛ العنصرية التي لا تزال تحرِّك العالم في مواجهة أشرس فيروس في تاريخ البشرية، والذي وصل إلى ملوك في قصورهم.