كورونا والجوع القادم

20 ابريل 2020
الصورة
متطوعون يسدون نقص الغذاء بالقاهرة (Getty)
+ الخط -


تمكَّنت جائحة كورونا من استحضار شبح الجوع وانعدام الأمن الغذائي في العالم العربي بعدما أصابت عمليات إنتاج الغذاء بالشلل القسري، ونجحت في حجر المواطنين في منازلهم، وقيَّدت تحرّكاتهم ووضعت العديد من الشركات والمصانع في حالة جمود.

لم ينقص العالم العربي المتقلِّب سوى الوقوف على فوهة بركان كورونا ليكتمل عدم استقراره نتيجة الاندلاع الوشيك لثورة الجياع التي ستلي ثورات الظلم وغياب العدالة الاجتماعية وانتهاك الكرامات وسلب الحريات.

أفاد تقرير صادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (إسكوا) تحت عنوان "التخفيف من تأثير كوفيد-19: الفقر وانعدام الأمن الغذائي في المنطقة العربية"، بأنّ أزمة كورونا ستؤدِّي إلى مفاقمة معضلة انعدام الأمن الغذائي القائم في المنطقة العربية.

فعلاوة على وجود 50 مليون شخص يعانون من الجوع المزمن، سيكون هناك 1.9 مليون شخص إضافي يعانون من نقص التغذية في العالم العربي بسبب جائحة كورونا التي تعطِّل أنشطة إنتاج ونقل وتوزيع واستيراد الغذاء، حيث تنفق المنطقة العربية حوالي 110 مليارات دولار على واردات المواد الغذائية، أي ما يعادل تقريباً 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فعلى سبيل المثال يتم استيراد 65 في المائة من القمح المستهلك في الدول العربية، ويمثِّل القمح والأرز معاً حوالي 11 مليار دولار من العجز التجاري في المنطقة ككل.
ستشهد المنطقة العربية لا محالة نقصاً حاداً في الغذاء وارتفاعاً أكيداً في الأسعار إذا طال أمد جائحة كورونا التي تعطِّل سلاسل الإمدادات الغذائية العالمية نظراً لاعتماد الدول العربية الكبير على الواردات الغذائية من ناحية وتخزين المواد الغذائية من قبل الدول المنتجة للغذاء، عملاً بالمثل القائل "أنا ومن بعدي الطوفان"، من ناحية أخرى.

وﺗﻘﺎﻋﺲ الحكومات العربية ﻋﻦ إيلاء اﻷوﻟﻮﻳﺔ لتعزيز القطاع الزراعي هو الذي وضعها أمام مأزق غذائي كبير قادها إلى الاستيراد المكثّف للغذاء من الخارج، وهذا ما شجَّع الدول الكبرى المنتجة للغذاء على استخدام الغذاء كسلاح سياسي للضغط والسيطرة على الدول التي تأكل مما لا تزرع.

وزادت جائحة كورونا الطين بلة في العالم العربي الذي يصارع تحديات الانفجار السكاني المقدّر حالياً بنحو 437 مليون نسمة والذي سيصل إلى أكثر من مليار شخص في عام 2100، وزيادة ندرة المياه، واشتداد حدّة الفقر المائي حيث سيعيش 500 مليون شخص بأقل من 1000 متر مكعّب من الماء للفرد في عام 2050 وفقاً لبيانات منظمة الصحة العالمية.

هذا علاوة على انخفاض هطول الأمطار بسبب تأثير تغيّر المناخ والاحتباس الحراري، وانخفاض نسبة الأراضي الصالحة للزراعة والتي لا تتجاوز 200 مليون هكتار أي ما يعادل 14.1 في المائة من المساحة الكلية للوطن العربي.

ولا يمكن غضّ البصر عن مشكلة إهدار الغذاء في العالم العربي الذي يخسر سنوياً حوالي 60 مليار دولار حسب إحصائيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) والتي أكَّدت على أنّ دخل الأسر المعيشية سيزداد بمقدار 20 مليار دولار على الأقل إذا تمّ الحدّ من هدر الطعام بما لا يقلّ عن 50 في المائة والذي سينعكس إيجاباً أيضاً على توفُّر الغذاء وتقليل فاتورة الواردات الغذائية وخفض عجز الميزان التجاري في الدول العربية.
ستتعمَّق أزمة الأمن الغذائي أيضاً بفعل التباطؤ الاقتصادي الناجم عن كوفيد 19 نتيجة لفقدان العديد من الوظائف وانخفاض الدخل وتعثّر الأعمال وتراجع تحويلات المغتربين في المنطقة العربية، وهذا ما يزيد من معاناة العديد من الأسر ويحدّ من قدرتها على تأمين الطعام لا سيَّما في الدول العربية التي تمثِّل فيها تكاليف الغذاء الحصة الكبرى من ميزانيات الأسر المعيشية.

كما تهدِّد جائحة كورونا الأمن الغذائي لنحو 26 مليونا من اللاجئين والنازحين وتعرِّض 16 مليون شخص منهم إلى السقوط في دائرة الجوع وانعدام الأمن الغذائي.

وحسب تقرير (الإسكوا)، ستشهد المنطقة العربية سقوط 8.3 ملايين شخص إضافي في براثن الفقر بسبب كورونا، وهكذا سيصل عدد الأشخاص المصنفين تحت خط الفقر إلى 101.4 مليون شخص في المنطقة.

لذلك ينبغي على الحكومات العربية الحرص على تسهيل وصول الإمدادات الغذائية إلى الجميع بشكل عام وللفئات الأكثر ضعفاً بشكل خاص، والتعجيل بتحويل مبالغ نقدية شهرية إلى الفقراء، بالإضافة إلى إنشاء آليات لمراقبة أسعار الغذاء بانتظام مع السهر على منع اكتناز المنتجات الغذائية والتلاعب بالأسعار، وكل هذا بهدف وضع حدّ لجشع الأغنياء ودعم الفقراء والمستهلكين الضعفاء.

وبدلاً من البكاء على أطلال فرص استيراد الغذاء الضائعة، يجب على حكومات الدول العربية إعطاء أولوية قصوى لتعزيز إنتاج القطاع الزراعي والصناعات التي ترتبط به من خلال زيادة الاستثمار في هذا المجال، وتوسيع نطاق الوصول إلى الائتمان والقروض الميسرة، وإعفاء المزارعين من دفع فوائد القروض المترتبة عليهم وتأجيل تحصيل القروض، وتسهيل الحصول على مدخلات الإنتاج، وتيسير عمليات استئجار الأراضي العامة للزراعة، وإزالة الحواجز أمام التجارة كخفض تعريفات الاستيراد المجحفة وضرائب القيمة المضافة، وفتح الطرق للمزارعين لضمان وصولهم إلى الأسواق لشراء المدخلات وبيع المنتجات، وتقديم حوافز إضافية للعمال في القطاع الزراعي ومجال الصناعات الغذائية، وتمديد ساعات العمل في المزارع وشركات إنتاج الأغذية لزيادة معدل إنتاج الغذاء.

كما ينبغي على هذه الحكومات العربية التعاون في ما بينها وتنسيق جهودها لتفعيل صندوق الأمن الغذائي العربي الذي سبق أن اقترحته جامعة الدول العربية بغية تقديم المساعدات الغذائية العاجلة وضمان الاستجابة الإقليمية السريعة.

خلاصة القول أنّ الدول العربية بدون استثناء تقف أمام معركة حاسمة لتوفير الغذاء لمواطنيها، والنصر سيكون من نصيب الحكومات التي تُغلِّب المصلحة العامة على المصلحة الخاصة وتفكِّر وتعمل لصالح المواطنين بالدرجة الأولى، ولرؤية النور الساطع في نهاية نفق كورونا المظلم والطويل ليس أمام الحكومات العربية سوى التركيز المكثَّف على سبل التكافل والتعاون والتضامن في صراعها مع الجائحة.

المساهمون