كورونا: تفاؤل بعودة جزئية لدورة الحياة

07 ابريل 2020
الصورة
توقعات أميركية بوصول التفشي إلى ذروته قريباً (كينا بيتنكور/Getty)


مع تراجع مستوى تفشي فيروس كورونا الجديد في عدد من الدول التي تصدرت أرقام الضحايا في الفترة الأخيرة، ولا سيما إيطاليا وإسبانيا، تتصاعد الآمال بامكانية استعادة الحياة تدريجاً ابتداءً من شهر مايو/ أيار المقبل، في ظل توجّه العديد من الدول لبحث تخفيف القيود المفروضة، خصوصاً تحت ضغط العوامل الاقتصادية، مع توقع تسجيل ركود كبير بسبب الفيروس والإغلاقات. مقابل ذلك، تتوقع دول أخرى أياماً صعبة، ومنها اليابان التي تتجه لفرض حال الطوارئ، وكذلك الولايات المتحدة التي وصف بعض المسؤولين فيها الأسبوع الحالي بأنه سيكون "أشبه بلحظة 11 سبتمبر/ أيلول". في هذا الوضع، يضغط الرئيس الأميركي دونالد ترامب، لاستخدام دواء مضاد للملاريا ضد كورونا، على الرغم من أدلة قليلة على فعالية الدواء، فيما لا تبتعد حسابات ترامب عن القرارات الشعبوية مع محاولة تقديم نفسه رئيساً نجح في مواجهة هذا الوباء، وذلك قبيل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل.

وبينما سُجل أمس وصول عدد المتوفين جراء كورونا إلى أكثر من 70 ألفاً، والمصابين إلى ما يقارب 1.3 مليون شخص، سُجل في المقابل ارتفاع أعداد الذين تماثلوا للشفاء إلى أكثر من 271 ألفاً حول العالم. وفي هذا السياق، ظهرت مؤشرات مشجّعة في أوروبا حيث سُجّل أكثر من 70 في المائة من الوفيات جراء كورونا في العالم.
وبرز تراجع مستوى تفشي الفيروس في إيطاليا، الدولة الأكثر تضرراً جراء الوباء في العالم. وقال مدير المعهد الوطني للصحة سيلفيو بروزافيرو إن "المنحنى بدأ بالانحدار" بعد أسبوع من "الاستقرار"، فيما بات عدد الوفيات يتجاوز الـ16 ألف حالة. وأُعلن الأحد عن 525 وفاة في يوم واحد، وهي أدنى حصيلة يومية للوفيات منذ 19 مارس/ آذار الماضي. وسبق أن أعلنت إيطاليا السبت تراجعاً غير مسبوق في عدد الحالات التي تستدعي عناية فائقة في المستشفيات للمرة الأولى منذ بدء تفشي الوباء منذ أكثر من شهر. وأشار مدير الدفاع المدني أنجيلو بوريلي، إلى أنه إضافة إلى العناية الفائقة، "يتراجع أيضاً عدد الأشخاص الذين يُدخَلون إلى الأقسام العادية في المستشفيات".

وأوضح رئيس المعهد العالي للصحة سيلفيو بروسافيرو، أنه في حال تأكيد الميل نحو التحسّن، سينبغي "التفكير في المرحلة رقم 2". وتعني هذه المرحلة وفق خطة إعادة الإطلاق التي طرحتها السلطات، فترة "التعايش مع الفيروس" مع استئناف تدريجي للأنشطة الإنتاجية. إلا أنها لن تشمل عودة إلى الحياة العادية اليومية.

لكن تراجع مستوى تفشي الوباء أثار مخاوف من عدم التزام الإيطاليين الإجراءات. وأعلنت وزارة الداخلية الإيطالية أنها سطّرت السبت 9300 محضر ضبط لعدم احترام العزل، وهو العدد الأكبر منذ عشرة أيام. وفي مطلع أسبوع عيد الفصح، تحضّر الشرطة خطة لمنع تنقل الأشخاص الذين يريدون التوجه إلى مكان إقامتهم الثاني. وأعرب مسؤول الصحة في لومبارديا جوليو غاليرا عن قلقه حيال الوضع في ميلانو الأقل تأثراً بالمرض مقارنة بمدينتي برغامو وبريشيا المجاورتين. ومنذ الأحد، فُرض على سكان لومبارديا ارتداء أقنعة واقية أو تغطية الأنف والفم بمنديل على الأقل. وحذّر المسؤول من أن "خطر أن يبدأ كل شي من جديد، حقيقي".

وقال رئيس الوزراء جوسيبي كونتي إن "اليقظة" في مواجهة الفيروس "يجب أن تستمر". وفي مقابلة الأحد مع قناة "أن بي سي" الأميركية، كرّر كونتي نداءه إلى الأوروبيين بشأن وجوب "كتابة كتاب تاريخ" وليس "كتاب اقتصاد". وقال إنه يجب تبني "خطة إعادة بناء وإعادة استثمار" داعياً مجدداً إلى إصدار "سندات كورونا"، وهي آلية ديون متبادلة لمساعدة دول التكتل الأكثر تأثّرا بالوباء على تمويل جهودها لدرء التداعيات الاقتصادية للوباء،
في إسبانيا، أعلنت السلطات أمس الاثنين تراجع الوفيات بفيروس كورونا لليوم الرابع على التوالي، مع تسجيل 637 وفاة خلال 24 ساعة. وقالت ماريا خوسيه سييرا، من مركز الطوارئ الصحية، إن "الضغط يتراجع"، مشيرة إلى "تسجيل تراجع" في عدد المصابين الذين ينقلون إلى المستشفى أو إلى العناية الفائقة. ووصل العدد الإجمالي للوفيات إلى 13055.

وسُجّل توجه مماثل الأحد في فرنسا، حيث أُبلغ عن 357 وفاة في المستشفيات في الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، وهو العدد الأدنى منذ أسبوع. وحذر وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومير، أمس الاثنين، من أن فرنسا ستشهد خلال 2020 أسوأ ركود اقتصادي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية نتيجة كورونا.
أما في بريطانيا، فأعلن وزير السكن روبرت جنريك أمس الاثنين أن رئيس الوزراء بوريس جونسون المصاب بفيروس كورونا "يبقى في سدة القيادة" على الرغم من وجوده في المستشفى منذ مساء الأحد لإجراء "فحوص". وحل وزير الخارجية دومينيك راب مكانه في رئاسة الاجتماع الدوري الخاص بتطورات كورونا الجديد صباح أمس. من جهته، قال جونسون على "تويتر": "بناءً على نصيحة طبيبي، دخلت المستشفى لإجراء بعض الفحوص العادية في الوقت الذي ما زلت أعاني فيه من أعراض فيروس كورونا". وأضاف: "أنا في حالة معنوية عالية، وعلى اتصال بأعضاء حكومتي في الوقت الذي نعمل فيه معاً لمكافحة هذا الفيروس والحفاظ على سلامة الجميع".

وفي ظل الأرقام التي تبشر بتراجع حدة تفشي الوباء، ومع المخاوف على تداعيات سلبية على الاقتصاديات الوطنية، بدأت الكثير من الدول تفكر في العودة التدريجية للحركة ورفع بعض إجراءات الإقفال، حتى إن بعض أندية كرة القدم في أوروبا مثل بايرن ميونخ الألماني أعلنت استئناف تدريباتها عبر مجموعات صغيرة.
وأعلن المستشار النمساوي سيباستيان كورتس، أمس، أن حكومته تهدف إلى البدء بالسماح لبعض المتاجر بإعادة فتح أبوابها كبداية لعودة طويلة ومتدرجة إلى الحياة الطبيعية. وأوضح أن الهدف هو السماح بإعادة فتح متاجر صغيرة وحدائق مركزية اليوم الثلاثاء، مع السماح بوجود عدد محدود من الزبائن الذين يجب عليهم ارتداء الأقنعة. وأضاف أن الحكومة تأمل إعادة فتح باقي المحال التجارية في الأول من مايو/ أيار. ولن تتمكن المطاعم والفنادق من فتح أبوابها حتى منتصف مايو في الأقل. ويتوقع استمرار القيود على حركة الأشخاص حتى نهاية الشهر.

كذلك أعلنت السلطات التشيكية أنها ستخفف بالتدريج بعض القيود المفروضة لاحتواء تفشي كورونا. وقال وزير الداخلية يان هاماتشيك، الذي يقود لجنة الأزمة التي تتعامل مع التفشي، إنه يقترح إلغاء الحظر المفروض على التشيكيين للسفر خارج البلاد بدءاً من 14 إبريل. وأضاف أن التفتيش على الحدود سيظل مستمراً، وسيسمح للناس بالسفر فقط بموجب لوائح معينة لم يتم الانتهاء منها بعد. لكن هاماتشيك قال إن كل القيود الصارمة على الحركة داخل البلاد لن تخفف خلال عيد الفصح. من جهته، صرح وزير الصحة آدم فيوتيتش بأن الحكومة ستناقش مقترحاً يسمح لمزيد من المتاجر الصغيرة بإعادة فتح أبوابها، بناءً على تطور التفشي.


في المنطقة العربية، وجّه الملك الأردني عبد الله الثاني، حكومة بلاده، منذ أول من أمس الأحد، إلى التدرج في استئناف عمل القطاعات الإنتاجية في البلاد. ودعا إلى "الاستفادة من الموارد المحلية، لتصدير المنتجات الصناعية، التي يزيد الطلب عليها خارجياً في الوقت الراهن، بما يساهم في دعم الاقتصاد الوطني". وطلب من الحكومة "دراسة إمكانية أن تعمل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مع التزام الإرشادات والتعليمات الموضوعة للحفاظ على السلامة والصحة العامة".

مقابل هذه الأجواء التفاؤلية، لا يزال الوباء يثير الكثير من القلق في بلدان أخرى. وأعلن رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي أمس الاثنين أن حكومته تستعد لإعلان حال الطوارئ اعتباراً من اليوم الثلاثاء في مناطق عدة في البلاد، ارتفعت فيها نسبة الإصابات بالفيروس، وبينها طوكيو وأوساكا. وأعلن قائد القوات الأميركية في اليابان كيفين شنايدر أمس حالة طوارئ صحية عامة في قواعد هذه القوات في منطقة كانتو في شرق اليابان، التي تشمل طوكيو، بسبب الزيادة الكبيرة في حالات الإصابة في العاصمة اليابانية.
وفي الولايات المتحدة حيث تقترب حصيلة الوفيات من العشرة آلاف، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب مساء الأحد: "في الأيام المقبلة، ستتحمّل أميركا ذروة هذا الوباء الفظيع". وأضاف: "ندرك جميعاً أنه يجب الوصول إلى نقطة معيّنة ستكون فظيعة من حيث عدد الوفيات، ثم تبدأ الأمور بالتغيّر. نحن نقترب من هذه النقطة الآن. وأعتقد أن الأسبوعين المقبلين سيكونان في غاية الصعوبة".

من جهته، أشار مدير المعهد الوطني للأمراض المعدية أنطوني فاوتشي، إلى أن معدّل الوفيات "بصدد الاستقرار". وأقرّ بأن هذا الأسبوع "سيكون أسبوعاً سيئاً"، مضيفاً: "نواجه صعوبة في السيطرة" على الوباء. وفي حديث تلفزيوني عبر قناة "سي بي إس" الأميركية، قال فاوتشي: "هناك فرصة جيدة للفيروس ليأخذ طبيعة موسمية، لأنّ من غير المحتمل السيطرة عليه في العالم هذا العام". وأضاف: "بما أنّ من غير المحتمل القضاء عليه من على الكوكب خلال العام الحالي، فهذا يعني أن الولايات المتحدة قد تشهد عودته مجدداً خلال موسم الإنفلونزا المقبل".
وهيّأ المدير الفدرالي لخدمات الصحة العامة جيروم آدامز الرأي العام للأسوأ، قائلاً: "الأسبوع المقبل (الحالي) سيكون أشبه بلحظة بيرل هاربور، بلحظة 11 سبتمبر/ أيلول، إلا أنّه لن يكون في مكان واحد".

لكن إجراءات ترامب للتعامل مع معالجة هذا الوباء، تخفي خلفها حسابات أبعد من الأزمة الصحية. وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" أن الرئيس الأميركي ضاعف الأحد ضغوطه لاستخدام دواء هيدروكسي كلوروكين المضاد للملاريا ضد فيروس كورونا، وأصدر نصيحة طبية تتجاوز الأدلة القليلة على فعالية الدواء، بالإضافة إلى نصيحة الأطباء وخبراء الصحة العامة.
وكانت توصية ترامب بالدواء، لليوم الثاني على التوالي في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، "مثالاً لافتاً على استعداده الوقح لتشويه والتحدي الصريح لرأي الخبراء والأدلة العلمية عندما لا تناسب جدول أعماله"، وفق الصحيفة، التي أشارت إلى أن ترامب قال إنه كان يتحدث عبر غريزة وشعور داخلي، واعترف بأنه ليس لديه خبرة في هذا الموضوع. وقال ترامب: "إذا نجح (الدواء)، فسيكون من العار أننا لم نقم بذلك مبكراً"، مشيراً إلى أن الحكومة الفيدرالية اشترت وخزّنت 29 مليون جرعة من الدواء. وسأل لليوم الثاني على التوالي: "ماذا لدينا لنخسر؟".

وعندما وجّه أحد المراسلين سؤالاً إلى فاوتشي عن مسألة استخدام هيدروكسي كلوروكين، منعه ترامب من الإجابة. وعندما أشار المراسل إلى أن فاوتشي كان الخبير الطبي للرئيس، أوضح ترامب أنه لا يريد أن يجيب الطبيب، قائلاً: "لقد أجاب عن السؤال 15 مرة". وكشفت الصحيفة نقلاً عن شخصين مطلعين، أن فاوتشي كان قد خالف السبت التفاؤل المتزايد بشأن فعالية الدواء خلال اجتماع لفريق عمل حول كورونا في غرفة العمليات بالبيت الأبيض. وسحب بيتر نافارو، المستشار التجاري للرئيس الذي يشرف على قضايا سلسلة التوريد المتعلقة بفيروس كورونا، مجموعة من المجلدات على الطاولة، وقال إنه شاهد العديد من الدراسات من دول مختلفة، بالإضافة إلى معلومات جُمعَت من مسؤولي مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، ما يدل على فعالية "واضحة" للكلوروكين في علاج الفيروس. لكن فاوتشي ردّ مكرراً التصريحات التي أدلى بها في سلسلة من المقابلات في الأسبوع الماضي، أن الدراسة الدقيقة لا تزال ضرورية. ورد نافارو بأن المعلومات التي جمعها كانت "علمية"، بحسب "نيويورك تايمز".

(العربي الجديد، فرانس برس، رويترز)

تعليق: