كورونا بين الحكومة والمصريين

كورونا بين الحكومة والمصريين

04 مايو 2020
الصورة

"خليك في البيت" على الهرم في القاهرة (18/4/2010/فرانس برس)

+ الخط -
تتجه مصر نحو استعادة الحياة الطبيعية مع انتهاء شهر رمضان. على الرغم من تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا المتحول (كوفيد - 19) ستة آلاف حالة، وزيادة معدل الإصابات اليومي إلى أكثر من ثلاثمائة حالة.
قبل شهر، كانت مصر تطبق نظام الإغلاق الجزئي الإجباري للأعمال العامة، وبشكل غير محدد للقطاع الخاص، مع حظر تجوال 11 ساعة يومياً. وخلال تلك الأسابيع الأربعة، تزايدت الإصابات بقفزات مرعبة، وانتشرت بشكل خاص بين الأطباء والعاملين في القطاع الصحي، كما تزايدت أعداد الوفيات، خصوصاً قبل الوصول إلى المشافي.
وبينما تصاعدت وتيرة انتشار الوباء مع بداية شهر رمضان، سادت الشارع المصري حالة من التسيب وعدم الالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي وتوقيتات حظر التجوال. وقوبل هذا الانفلات الشعبي بتساهل رسمي شديد، بدأ بتقليل مدة حظر التجوال، وزيادة ساعات وأيام عمل المطاعم والمنشآت التجارية. ثم عادت بعض القطاعات الخدمية إلى العمل جزئياً قبل أيام، منها التراخيص المرورية والشهر العقاري. وعلى الرغم من الزيادة المقلقة في مؤشرات انتشار الوباء، وما تعنيه من صعوبة محاصرته عبر تلك الإدارة الليّنة للأزمة، إذا بالحكومة تبث إشارات جديدة حول ضرورة عودة الاقتصاد إلى العمل. وبدأ الإعلام في التمهيد لاستئناف الأعمال بشكل كامل خلال أسابيع، تحديداً بعد إجازة عيد الفطر.
وهي مفارقة تدعو إلى التساؤل عن الرؤية أو المنطق الحاكم لطريقة مصر في إدارة أزمة وباء كورونا، فهي لم تطبق حظراً شاملاً ولا إجراءات صارمة من البداية لتطويق الوباء ومنع انتشاره، بل لم توقف حركة الطيران إلا بعد معظم الدول، واستمرت الرحلات من الصين وإليها، حتى أغلقت بكين نفسها مطاراتها. وطوال الشهرين الماضيين، كان البروتوكول الطبي للتعامل مع الوباء شديد التساهل في شروط الفحص وإجراءات التشخيص.
يكمن تفسير ذلك كله بإدراك الحكومة حجم وكفاءة المتاح من منشآت علاجية وأجهزة فحص وقوة بشرية (أطباء وممرضين وإداريين وخدمات وأمن وغيرها)، فهي قدرات محدودة، ولم تكن قابلة للتدعيم بشكل عاجل.. ولا يوجد أصلا ما يكفي العاملين في مجال الصحة من مستلزمات وقائية وعلاجية، فكيف الحال بالنسبة لمجموع المواطنين.
هذا على جانب الحكومة، أما من جانب الشعب فهو مرعب.. عدد ضخم من الأحياء الشعبية والعشوائيات لا وسيلة تضمن التزام سكانها بالتباعد أو العزل.. وقرى ونجوع لا تعرف شيئا اسمه كورونا، وكثيرون من أهلها لا يملكون إنترنت ولا هواتف ذكية.. وملايين من العمال والحرفيين والبائعين والسائقين والعاملين في الاقتصاد غير الرسمي والقطاع الخاص. مؤسسات الدولة المصرية على يقين من استحالة إلزام كل هؤلاء بالحظر أو التباعد. بما يعني الإخفاق في ملاحقة الوباء وتطويقه، وأن أي محاولة جدّية لذلك ستكون نتيجتها إهدار القليل المتاح من الموارد والقدرات.
وبهذا المنطق، كان الاختيار بالتعامل مع الإصابات المؤكدة فعلياً بالوباء، وفي أضيق نطاق ممكن. واستبعاد كل المخالطين والمصابين المحتملين من الفحص، على أن يتولوا بأنفسهم إجراءات الوقاية والعزل. وإذا لم يلتزموا بها، فلن تبذل الحكومة جهداً لملاحقتهم وحمايتهم، أي أن يحمي كل مواطن نفسه بنفسه، لو أراد.
أغلب الظن أن احتمالات وجود سوء تقدير وحسابات خاطئة، ضئيلة للغاية. الأرجح أن إدارة الأزمة تتم عن وعي كامل بالإمكانات المتاحة وبطبيعة الشعب المصري. وتدرك المؤسسات الرسمية أن الإجراءات الجدّية والفعالة لمواجهة انتشار الوباء ستتحمل هي تكلفتها وأعباءها.. بدءاً بالأسرّة والأطباء والتمريض والأدوية، مروراً بأماكن العزل والمشافي وأجهزة التنفس، وصولاً إلى تأمين مصادر دخل لمن يتم عزله من المشتبه بإصابتهم والمخالطين. ومنطقها، والحال هكذا، أن المتاح لديها من قدرات ضئيلة لمواجهة الأزمة لن تهدره على شعبٍ تراه يستهين بالوباء لغياب ثقافة الوقاية والاحتراز، أو يتحايل على الإجراءات ولو كان الدافع لقمة العيش. ومن يصيبه الوباء، فإما سيشفى أو يموت ويرفع عبئه عن كاهلها.