كليبير ماندونزا فيلو: "مهمّ جداً الاحتفاظ بتسجيل لكيفية تعاملنا مع الزمن"

01 يونيو 2020
الصورة
كليبير ماندونزا فيلو: الصُور تثبيت للزمن (جيم سْبلّمان/Getty)
يندر أنْ تجد مخرجاً يُنجز أفلاماً بالقدر نفسه من الصدق، كالبرازيلي كليبير ماندونزا فيلو (1968). في "باكوراو" (2019) ـ فيلمه الروائي الطويل الثالث، الحاصل على جائزة لجنة التحكيم الخاصة بالمسابقة الرسمية للدورة الـ72 (14 ـ 25 مايو/ أيار 2019) لمهرجان "كانّ" السينمائي، والذي أخرجه رفقة جوليانو دورنيلّيس (1980)، المشتغل مديراً فنياً في أفلامه السابقة ـ يُقدّم تصوّراً مذهلاً للمواجهة بين قرية من شمال ـ شرق البرازيل ("نورديست") المهمّش، وقوى الفاشية المتمثّلة بمحافظ القرية، الذي يحاول إخضاع الأهالي باستعانته بكوموندوس أميركي سادي، حدّ العزم على محو القرية عن الوجود، مستعملاً أساليب التجهيل (مشهد إبادة الكتب) والترويع وقطع المياه عن القرية.

حربُ بين تصوّرين للوجود، وبين نَمطَي عيش، تنطوي على استعارة الصراع الذي تخوضه اليوم البرازيل، ودول كثيرة في العالم، مع قوى اليمين المتطرّف، ما يضع "باكوراو" في قلب الراهن، رغم التحافه بجمالية الحكاية الخرافية، وتطوّره البديع نحو مفاتيح النوع (وسترن، ثريلر، إلخ.)، فيأخذ المُشاهد على حين غرّة، ويخطف أنفاسه حتى آخر لقطة.

هكذا يذهب المخرجان إلى أبعد مدى في الإيحاء بقدرة المستضعفين على قلب منحى الأشياء لصالحهم، والتغلّب على المدّ الفاشي، فيمنحان كلّ من يشاهد فيلمهما هذا جرعة أمل تحثّ على عدم الاستسلام، وعلى ضرورة المقاومة.

يُنجز المخرجان هذا كلّه وفق أسلوب مُتحرّر، يمكن أن ينتقل مباشرة من لقطة عامة إلى ربوع "السيرتاو"، إلى لقطة مقرّبة جداً لفم أحدهم أثناء تناوله قرصاً مُخدّراً، فلا يمكن عدم تذكّر جماليات حركة "سينما نوفو" البرازيلية، والتجريب الجريء والملتزم نفسه، الذي طرحته في عالم السينما، منتصف القرن الـ20.

أثناء مشاركته في لجنة تحكيم الدورة الـ18 (29 نوفمبر/ تشرين الثاني ـ 7 ديسمبر/ كانون الأول 2019) لـ"المهرجان الدولي للفيلم بمرّاكش"، حاورت "العربي الجديد" ماندوزا فيلو عن جديده، وعن السينما، وعن أشياء أخرى.

(*) الفضاء مهمّ جداً في تحديد اختياراتك الفنية، كما الأشخاص الذين يعيشون فيه. هل تحرص على ذلك؟
نعم. هذا مهمّ بالنسبة إلي. أنا مفتونٌ بالهندسة والعمارة. هذا الفندق (فندق "المامونية" بمرّاكش) مثلٌ رائع عن الهندسة المعمارية: ماذا يعني الفضاء؟ ماذا يحاول أنْ يقول لنا؟ لو أنّي أنجزت فيلماً تجري أحداثه هنا، لحرصت على أن ترتبط شخصياتي دائماً مع هذا الفندق، بشكلٍ ما. مريح ودافئ للغاية، لكنّه مفتوح في الوقت نفسه.

في الحقيقة، يتعلّق الأمر بكيفية تأطير الشخصية بتناغم مع الفضاء حيث تنوجد، أو ضده. أحياناً، يولّد الفضاء نوعاً من التوتّر، أو حتى صراعاً. اشتغل جاك تاتي في أفلامه على هذا الأمر جيداً. أعتقد أن إيليا سليمان يفعل ذلك أيضاً بشكل جيّد للغاية. فقط، أحاول تصوير الأشياء بطريقة صادقة ومثيرة للاهتمام.

الصُور ومعانيها
(*) كيف تختار أماكن التصوير؟ أعلم أنك تسافر كثيرا مع جوليانو. ماذا تفعلان أثناء تلك الرحلات، وبعدها؟

ألتقط صُوراً كثيرة، بشكلٍ دائم. لديّ حساب "إنستغرام"، لأنّي أعتقد أن الصّور ليست فقط طريقة لتسجيل الفضاء، بل هي أيضاً مُثبّت للزمن، زمني. وأيضاً مُثبّت لـ"ماذا فعلت به" و"أين كنتُ". إنّها تشبه اليوميات. أحياناً، أكتب شيئاً بمثابة مفتاح للصورة، لكنّ الصورة ذاتها مفتاح يسجّل يومياتي. كنتُ في مرّاكش أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) وأوائل ديسمبر (كانون الأول) عام 2019. أعتقدُ أنّ هذا الجانب مُثيرٌ للاهتمام. إذا عُدْتَ 5 أسابيع إلى الوراء، ستراني في الصين. مهمّ جداً أن نحتفظ بتسجيل لكيفية تعاملنا مع الزمن.

(*) أجد حرية كبيرة في إخراج "باكوراو". هل كان ذلك بمثابة تحيّة مقصودة أو غمزة لجمالية "سينما نوفو"؟
لا يُمكنك صنع فيلم برازيلي في تلك المنطقة من دون أن تذكّر الناس، بشكل أو بآخر، بـ"سينما نوفو"، لأنّ الأفلام المنجزة وفق هذه الموجة صوّرت "النورديست" جيداً. أعتقد أنّك، عندما تصنع فيلماً، يجب أن تكون متحرّراً تماماً. تبدو بعض الأفلام متوتّرة للغاية، كأيقونات الإيمان الكاثوليكي. أنتَ تعلم أنّ هذه الإيقونات شديدة التقشّف، وجدّية أكثر من اللازم. أحاول فقط جعل الأفلام منطلقة وحرّة للغاية. لكن هذا ليس شيئاً يُمكنك تلقينه، أو تأليف كتاب عنه: "اصنَعْ فيلماً مُتحرّراً". كيف يمكن للمرء جعل الفيلم حراً؟ أحبّ اللّهو بالكاميرا، وأعتقد أنّ الكاميرا يُمكن أنْ تُعبّر عن أفكار كثيرة مثيرة للاهتمام. هذا شيء ربما يتمّ نسيانه من صنّاع أفلام كثيرين، يضعون لغواً كثيراً في أفلامهم. يُمكن للاشتغال على الكاميرا أنْ يعطيك مردوداً كبيراً. كان هيتشكوك يعرف ذلك جيداً.

(*) الجانب الآخر الذي أعجبت به كثيراً، هو الطريقة التي تعبّر بها عن السياسة في الفيلم، بحيث تبدو طبيعية جداً وبديهية للغاية، من دون نبرة خطابية أو مباشرة. كيف تحقّق هذه المعادلة الصعبة؟
في سنّ المراهقة، عندما بدأت مُشاهدة الأفلام، كانت لدي فكرة أنّ الأفلام السياسية تجري، بالضرورة، في مبنى حكومي، كالبلدية مثلاً. لكن، من الواضح بالنسبة إليّ الآن، أنّه يُمكنك إنجاز فيلم سياسي عن شخص يذهب إلى السوبرماركت للتبضّع، فيضطرّ إلى الاختيار بين "آيس كريم" باهظ الثمن وآخر ثمنه زهيد. يُمكن أن يكون ذلك مشهداً سياسياً إنْ صوّرته بنحو معيّن. لذا، أركّز على كيفية حدوث الصراعات الاجتماعية، كحالة امرأة تعيش في منزلها، ويأتي رجل إلى منزلها، وبعد أن يدقّ على الباب وتفتح له، يقول لها: "نريد شراء منزلك. هذا خبر رائع، أليس كذلك؟"، لكنّها تجيب: "كلا، أنا غير مهتمّة".

سينما لا إعلام
(*) هذه حالة فيلمك الروائي الطويل الثاني "أكواريوس" (2016).
هذه وضعية سياسية. بادئ ذي بدء، المقتحمون رجال، وهي امرأة. هي داخل المنزل، وهم خارجه. هناك خطّ يفصلها عنهم. إنهم يريدونها أن تجيب بـ"نعم"، وهي تُصرّ على قول "لا". أقول هذه الأشياء الآن، بعد أعوام عديدة. لكن، عندما كتبت "أكواريوس"، كنت مهتماً بالقصّة فقط. ثم قرأ أحد الأصدقاء السيناريو، فقال: "هذا مشهد مُثير للاهتمام، لأنه يبدو مثل وضعية اغتصاب". هذا يأتي بشكل طبيعي مع المادّة المكتوبة. لا أستيقظ صباحاً وأقول لنفسي: "سأكتب مشهداً يُحيل على الاغتصاب". الأمور ليست هكذا.

(*) ما أجده مؤثّراً جداً وبالغ الإنسانية في أفلامك، كيفية تصويرك الأشخاص البسطاء بطريقة تحفظ كرامتهم رغم أنّهم فقراء وغير مثاليّين في تصرّفاتهم. كيف يمكنك تحقيق هذا: الحفاظ على كرامة من تصوّرهم؟
حسناً. للبلدان كلّها المشكلة نفسها. في الولايات المتحدة الأميركية وإنكلترا، وأنا متأكد أنّنا سنجد ذلك في المغرب أيضاً: الطريقة التي تتمثّل بها وسائل الإعلام السكّان الذين يقبعون في مستوى عيش متدنّ. أكره الطريقة التي يفعلون بها ذلك في البرازيل، خصوصاً أنّي أتحدّر من المنطقة التي يتمّ تقديمها بطريقة سيئة للغاية من الأشخاص القاطنين في المنطقة الأكثر ثراء في الجنوب، لأنّهم يسيطرون على التلفزيون. لذا، أردنا المضي في الاتجاه المعاكس تماماً لهذا المنحى، ونفاجئ الجميع بقولنا: "هؤلاء الأشخاص (سكّان المنطقة الشمالية) رائعون للغاية. كانوا دائماً رائعين. خذوا هذا. شاهدوا، وتمتّعوا بالمفاجأة".
تعليق: