قمة بروكسل: مداعبة بوتين بعيداً عن الإثارة

قمة بروكسل: مداعبة بوتين بعيداً عن الإثارة

05 يونيو 2014
الصورة
مفاوضات أوروبا وأميركا عن التبادل الحر لم تصل لنتيجة(getty)
+ الخط -

حضر العديد من الملفات السياسية والاقتصادية على طاولة قمة بروكسل لمجموعة الدول الصناعية السبع، كان من المقرر عقدها في سوتشي الروسية، قبل أن يُطيحها الموقف الروسي من الصراع الدائر في أوكرانيا، وهو ما أدّى أيضاً إلى إقصاء روسيا من دول الثماني التي تحولت إلى الدول السبع.

وفي مقدمة المواضيع التي نوقشت، المسألة الأوكرانية، التي عرفت في الآونة الأخيرة مستجدات كثيرة، منها انتخاب رئيس جديد للجمهورية، وأيضاً الحملة العسكرية التي يقوم بها الجيش الأوكراني لاستعادة مناطق في الشرق والجنوب خرجت عن سيطرته، ونظّمت استفتاءً على الاستقلال، لم تعترف به أية دولة، بما فيها روسيا، حتى اللحظة.

لكن حتى في هذه المسألة، فإن سقف العقوبات الغربية تمّ تجاوزه من دون رؤية أثر واضح لتراجُعٍ في الموقف الروسي، على الرغم من تأكيد الرئيس الأميركي باراك أوباما، بأن فرض العزلة على روسيا بدأ يؤتي أكله، وأنّ مجموعة السبع مستعدة لفرض عقوبات جديدة على موسكو، إذا ما استمرت في تدخلها. هكذا، تستطيع روسيا أن تسحب جنوداً اليوم من الحدود، وتعيدهم في اليوم التالي، بدعوى تنظيم مناورات، كما أن تأكيدها، أنها لا تشارك في المعارك في الشرق الأوكراني، لا يعني أنها تمنع تدفق المقاتلين من روسيا إلى هناك.

ولم يكن فلاديمير بوتين، وهو يشهر بمرارة "طرده" من مجموعة الثماني، ليدع هذا المؤتمر، الذي يبحث فرض عقوبات إضافية على بلاده، من دون ردّ، فقد أكّد، في حوارٍ أجراه معه صحافيان فرنسيان في مدينة سوتشي (التي كان من المفترض أن تُعقد فيها قمة الدول الثماني)، بأن روسيا لا تتدخل في الشأن الأوكراني، وأنها تنصح الرئيس المنتخب الجديد بالتفاوض مع المطالبين بالفيدرالية في شرق البلاد وجنوبها. وسَخِرَ من "الأدلة" الأميركية عن التدخل العسكري الروسي في أوكرانيا، مُقارناً إياها مع "أدلة" وزير الخارجية الأميركية الأسبق، كولن باول، عن "أسلحة الدمار الشامل" العراقية.

ولعلّ الرئيس الأوكراني الجديد، بيترو بوروشنكو، هو الذي سيُصاب بالإحباط من نتائج القمة، بما أنها اكتفت بـ"مداعبة" الرئيس بوتين، ولم يفعل زعماء الدول الصناعية الكبرى سوى تهديد روسيا، ولم يصلوا إلى درجة فرض عقوبات. هو التهديد نفسه الذي لم يمنع الرئيس بوتين، من ضمّ جزيرة القرم وقبلها أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية.

وحتى الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، الذي سيستقبل بوتين، في احتفالات الذكرى السبعين لإنزال "النورماندي"، على مضض، لم يجرؤ على إلغاء توريد صفقات أسلحة إلى روسيا، نزولاً عند نصيحة مسؤولين أميركيين. ومن المؤكد بأن بوتين، سيركز على التذكير بالدور الروسي الحاسم في هزيمة النازية في الحرب الكونية الثانية، وهو ما حرص أوباما على الاعتراف به.

بالطبع، ناقشت قمة بروكسل الحالة الاقتصادية، وتطرقت للبطء الذي يعرفه النمو في معظم الدول الصناعية، وخصوصاً في أميركا الشمالية، خلال الفصل الأول من عام 2014. وتختلف درجات النمو من بلد إلى آخر، وأحياناً من قارة إلى أخرى. فإذا كانت ألمانيا وبريطانيا قد حققتا درجة نموّ بنسبة 0.8 في المئة، فإن فرنسا وإيطاليا تعانيان، فعلاً، من ركود حقيقي، إذ ان درجة النمو في فرنسا تصل إلى 0,03 في المئة، في حين أنها في إيطاليا -0.1 في المئة. أما الدول الآسيوية، فحالها أفضل، إذ حققت الهند في الفصل الأول من العام 2014، نسبة نمو 2,1 في المئة، في حين أن النسبة وصلت إلى 1,5 و1.4 في المئة في كل من اليابان والصين.

ولم يكن أحد يتصور أن هذه القمة ستخرج بنتائج مثيرة، وخصوصاً أن المفاوضات الصعبة والشاقة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة عن التبادل الحر، لم تصل إلى نتيجة نهائية بعد، وقد أضيف إليها القرار القضائي الأميركي القاضي بفرض غرامة ضخمة (10 مليارات دولار) على مصرف فرنسي (بي إن بي باريبا)، وتوقيف مؤقت للعديد من أنشطة المصرف الأميركي، وهو ما سيحرمها من إنجاز عمليات مالية بالدولار، بسبب تعاملها بالدولار مع دول غير صديقة لواشنطن، وهي إيران وكوبا والسودان، مشمولة بالعقوبات الدولية، وخصوصاً الأميركية.

وقد أصبحت مفاوضات التبادل الحر مرتبطة بقضية المصرف الفرنسي، أو هكذا يحاول الفرنسيون الذين أصيبوا بالصدمة أن يفعلوا. ويعرف الساسة الفرنسيون أن القضاء الأميركي مستقل بدرجة كبيرة عن القرار السياسي، وهذا ما كرره أوباما. ولكن الولايات المتحدة تستطيع، كما قال وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، الذي اعترف بمسؤولية المصرف الفرنسي، أن تقوم ببادرة "حسن نية". حقاً إن "القوي الأمين" هو مَنْ يستطيع الصفح.

المساهمون