قطع الدعم العسكري السعودي عن لبنان... بلا رسائل لمصر

قطع الدعم العسكري السعودي عن لبنان... بلا رسائل لمصر

23 فبراير 2016
الصورة
هل تنقل السعودية الدعم من بيروت إلى الخرطوم؟(بلال جاويش/الأناضول)
+ الخط -
لا تزال تداعيات الموقف السعودي الجديد من لبنان مستمرة، على خلفية إيقاف السعودية هبتها للجيش وقوى الأمن اللبنانيين، والتي تبلغ أربعة مليارات دولار، وما تبعه. وشهدت الأيام الأخيرة العديد من المواقف والتكهنات، بخصوص دلالات إيقاف دعم الدولة اللبنانية، وتأثيرات هذه الخطوة على لبنان والمنطقة، وإن كانت السعودية ستقوم بخطوات مشابهة في مصر، أو ستقوم بتحويل الدعم من لبنان إلى السودان، بحسب ما يشير مراقبون.


اقرأ أيضاً: رئيس الحكومة اللبنانية: السعودية ودول الخليج دعمت لبنان دائما

غير أن للموقف السعودي تداعيات تتجاوز لبنان؛ فقد أثار البيان السعودي الكثير من الجدل حول موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي من القضية التي تعتبرها الرياض مصيرية، وهي مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة، لاسيما في سورية. موقف السيسي، والذي لا يُنظر إليه على نطاق واسع، كموقف داعم للسعودية، يطرح تساؤلات حول إمكانية أن يكون موقف الرياض من بيروت رسالة إلى القاهرة.

في المقابل، أثارت الزيارة الخاطفة لوزير الخارجية السعودية، عادل الجبير، إلى الخرطوم، الكثير من الأسئلة، حول طبيعة العلاقات السعودية – السودانية، وخصوصاً مع اتخاذ السودان خطوات فاعلة، خلال الأشهر الأخيرة، لمواجهة الحضور الإيراني في الجمهورية، بالتضييق على "القوة الناعمة" الإيرانية، وملاحقة بعض مصالحها، بالإضافة إلى إرسال السودان قوات برية إلى اليمن، ضمن قوات التحالف العربي، والمشاركة في مناورة "رعد الشمال"، التي تحتضنها الأراضي السعودية هذه الأيام، وقطع الخرطوم لعلاقتها الدبلوماسية مع طهران، تضامناً مع السعودية.

جميع هذه التطورات طرحت الكثير من الأسئلة حول السياسة الخارجية السعودية الصاعدة في المنطقة، منذ عام 2015، والتي لم تعد تعتمد على المجاملات والتهدئة، بل تستخدم القوة العسكرية، المباشرة وغير المباشرة، لفرض أجندتها في المنطقة، بشكل لم يكن معتاداً من الرياض على مدى عقود.

وبغض النظر عن دقة المعلومات حول تقديم السعودية 5 مليارات دولار كمساعدات عسكرية إلى السودان، والتي أكدتها مصادر في الخرطوم، يبدو أن السعودية باتت أكثر جدية في استخدام دعمها المالي، ليوجه للدول التي تقف معها في مواجهة إيران، لا تلك التي تقف على الحياد، أو تلك التي وقفت ضدها، كما فعل لبنان، وخصوصاً وسط تأكيدات على أن السعودية استُفزت من تغطية الجيش اللبناني الميدانية لتدخل حزب الله في سورية، على الحدود اللبنانية – السورية، وتحديداً في معارك القلمون، حيث جاء تدخل حزب الله بمساندة من الجيش اللبناني، بصيغة أو أخرى.

أما في مصر، فالأوضاع تختلف تماماً، ومن المستبعد أن يكون إيقاف المساعدات عن بيروت، رسالة للقاهرة، لثلاث نقاط رئيسية، تجعل رؤية السعودية إلى مصر مختلفة.

أولاً، ثقل لبنان عربياً لا يقارن بثقل مصر، وتداعيات انهيار الأوضاع في لبنان، تختلف عن مصر بشكل جذري، على مستوى المنطقة. وفيما يبدو البلدان وكأنهما يغليان، يظهر أن تجنب انفجار الأوضاع في بيروت أشبه بالمستحيل، في ظل هيمنة حزب الله على القرار اللبناني منذ سنوات، واستخدامه قوة السلاح لفرض نفوذه على الدولة اللبنانية. بينما الدولة في مصر أكثر قوة وهيمنة على الأوضاع هناك، ولا يوجد بداخلها انقسامات تجاه السعودية. وأي هزة في القاهرة، ستكون كارثية على الرياض، في ظل تحول العراق وسورية واليمن إلى دول فاشلة.

ثانياً، هناك اختلاف في مواقف البلدين من إيران، فالدولة في لبنان تحت هيمنة حزب الله بقوة السلاح، وهو ما تعتبره الرياض أمراً غير مقبول إطلاقاً، وحاولت تغيير الأوضاع هناك، من خلال دعم الجيش اللبناني وقوى الأمن، أي تقوية الدولة اللبنانية، ولكنها فوجئت بأن نفوذ وهيمنة حزب الله على لبنان في ازدياد. فالرياض ترى في حزب الله مجرد مليشيا إيرانية، بينما يعتبر زعيم حزب الله، حسن نصر الله، نفسه تابعاً لولاية الفقيه، أي ولاية المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية، علي خامنئي. هذا الحضور الإيراني القوي في لبنان، غير موجود في الحالة المصرية. فالدولة لا تزال قوية ومهيمنة، ولا تمتلك طهران نفوذاً على القاهرة، في ظل العلاقات المقطوعة بين البلدين منذ اغتيال الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، أي قبل ما يقارب الثلاثة عقود.

النقطة الثالثة، تتمثل في أن الفرق في المواقف من التحركات السعودية في المنطقة، بين لبنان ومصر، هو الفرق بين الحد الأدنى، والحد الأعلى في الدعم. فالدولة اللبنانية لم تستجب للحد الأدنى مما تطلبه السعودية في مواجهة النفوذ الإيراني، ولم تقم بيروت بإدانة الاعتداءات على المقرّات الدبلوماسية السعودية في إيران، على مستوى جامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، ما اعتبرته الرياض خرقاً للإجماع العربي. أما القاهرة، فهي لم تستجب بالنسبة للسعودية للحد الأعلى من الدعم، ومساندة الجهود السعودية في سورية، ودعم نوايا التدخل العسكري هناك، ضد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش)، أو تدعم تأكيدات الرياض على رحيل رئيس النظام السوري بشار الأسد، لإيجاد أي تسوية في دمشق. ومرد هذا التردد المصري، يعود إلى العلاقة مع روسيا، لا مجاملة لطهران. وهذا ما يجعل السياق المصري مختلفاً عن اللبناني في هذه النقطة. والسعودية تمتلك بدورها، علاقات جيدة مع موسكو، على الرغم من التناقضات في سورية، حد الاشتباك المسلح غير المباشر. لذا هي أقدر على تفهم الموقف المصري، بعكس الحالة اللبنانية.

جميع هذه العوامل، حجم مصر بالنسبة للعالم العربي، وطبيعة علاقتها مع إيران، وطبيعة موقفها تجاه النفوذ الإيراني، تجعل اتخاذ الحكومة السعودية موقفاً تصعيدياً ضدّ مصر، غير وارد وفق المعطيات الحالية. بل يتوقع أن تستمر السعودية على الأرجح في دعم السيسي، ما دامت القاهرة مستمرة في سياسات "دعم الحد الأدنى" للسعودية، خصوصاً إذا لم تصل مواقفها في سورية إلى مرحلة دعم الأسد، أو عرقلة الجهود السعودية هناك، وهو الأمر المستبعد تماماً وفق الظروف الحالية.

ربما تطرح هذه التساؤلات، سؤالاً آخر، حول طبيعة التحالفات السعودية في المنطقة، مقارنة بالتحالفات الإيرانية. فبينما تستخدم إيران "الطائفية والمليشيا" لتمددها، بحسب مراقبين، عمدت الرياض إلى تسويات سياسية، واستخدام قوتها المالية "الناعمة" لكسب حلفاء، ومحاولة تقوية حكومات الدول المحيطة بها، لضمان استقرارها. الأمر الذي لم يعد مجدياً في مواجهة تصاعد التدخلات الإيرانية، وأعمالها العدوانية، فلجأت الرياض إلى التدخل بشكل عسكري مباشر، كما حدث في اليمن، أو بصورة غير مباشرة، عبر تسليح فصائل المعارضة السورية، المناوئة للأسد وإيران. وتبدو السعودية، اليوم، أكثر إصراراً على الذهاب بعيداً في مواجهة طهران، مهما كلفها الأمر، في محاولة لإعادة الاستقرار إلى المنطقة، وضمت "العصا" إلى "سياسات الجزرة".

المساهمون