قصة شيخة حليوي

06 ديسمبر 2019
الصورة
+ الخط -
أسبابٌ غزيرةٌ للفرح بفوز المجموعة القصصية "الطلبية C345"، للفلسطينية شيخة حليوي، بجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية في دورتها الرابعة. أحدُها أن غرابة اسم المجموعة، وهو عنوان إحدى القصص السبع عشرة بين دفتي الكتاب (74 صفحة)، ليس مشجّعا، يضمر قصدية نافرة، فقد كان في وسع الكاتبة أن تختار اسم قصةٍ أخرى عنوانا لمجموعتها. ولكن أكثر من مفاجأةٍ ستغتبط بها، ما أن تنتهي من قراءة هذه القصة، تجعل هذا الاسم، غير الجذّاب، ممتلئا بشحناتٍ كثيفةٍ من المعاني والمغازي، ترمي بها المفارقةُ العالية في القصة كلها، ففي مقابل العادية الرتيبة الشاحبة في رقم طلبيةٍ في مصنع أطرافٍ صناعية، ثمّة قصةٌ عن فرحٍ وبهجة كثيريْن، بالرقص، وبالحب. القصة هذه، كما أخواتها، عصيةٌ على الإيجاز، مع قصرها البالغ، لأنها مجدولةٌ بالإيحاءات، ومنكتبةٌ بحرفةٍ لا تتيسر لغير صاحب/ة ملكةٍ ودِربة، فضلا عن رؤيةٍ جمالية وإنسانية و... . ومن حزمة أسباب الفرح المؤشّر إليه أن جائزة الملتقى تنجح في اختبارها الرابع، في مهمتها النوعية، أي الاحتفاء بالقصة القصيرة جنسا أدبيا ثقيل المكانة، عندما اقترحت على القارئ العربي في ثلاثة أعوام ثلاث مجموعاتٍ قصصيةٍ لافتةٍ حقا، للفلسطيني مازن معروف والسورية شهلا العجيلي والعراقي ضياء جبيلي، ثم جاءت تسديدة ضربتها الرابعة، الثلاثاء الماضي، قويةً لا ريب. 
شيخة حليوي اسم جدَّ حضورُه على مشهد الكتابة السردية العربية الراهنة قبل خمس سنوات. وقصصها في كتابها الرابع "الطلبية C345" (منشورات المتوسط، ميلانو، 2018) صارت لها حيثيةٌ مستحقة، طالما أنها أحرزت الجائزة المقدّرة التي تقدّمها في الكويت جامعة الشرق الأوسط الأميركية مع الملتقى الثقافي. ويصير مطلوبا من أهل النقد أن يفحصوا في مواطن الحذاقة التعبيرية الكاشفة التي تمتلئ بها قصة شيخة حليوي. وفي ظن صاحب هذه الكلمات أن من هذه المواطن النهايات التي تكتمل بها هذه القصة، أو تنفتح بها على مساحاتٍ من التخييل الملتبس مع الواقعي، وعلى ظلالٍ من إيحاءات المحكي المسرود عن النفس وداخلها، عن المكان وناسِه، عن الزمان المحدود والممتد. القصص في معظمها الأعم بضمير الأنا. الراوية (أو الراوي) تحكي، الكلام عزيز منها، تومض. لا تبسُط عمّا فيها وحواليها كله. تتمهّل، شديدة البطء، حتى إذا ما انتهت القصة، تستشعر، أنت قارئُها، أن زمنا كثيرا مضى، وأن حيواتٍ وفيرةً مرّت عليها القصة التي غافلتك لغتُها الطّرية، الحميمة، اللغة التي يألف بعضُهم استسهال القول إنها لغةٌ شاعرية، فيما هي ليست كذلك بالضرورة.
أهدت شيخة حليوي، في حفل إعلان الفوز، وتكريمها مع زملائها الأربعة الفائزين في القائمة القصيرة، جائزتَها إلى قريتها البدوية (من أعمال حيفا) التي علّمتها "أصل القصة" وخصوصا نساءَها. وجاء في موضعِه تماما تقريظ لجنة التحكيم (برئاسة الإسباني لويس كانيدا) مجموعة "الطلبية C345"، بأنها "تتميّز بتعدّد حبكاتها، ...، بلغةٍ واضحةٍ ودلالاتٍ موحيةٍ وغنية بالتقنيات السردية". وأيضا بأن المجموعة "تعتمد المفارقة أداةً لتحقيق نوع من التنوير، أو مفاجأة القارئ، بوجود نزعاتٍ أو رؤى فلسفية لافتة. محتفية بالأحلام والذات والبطل الهامشي، ومتأرجحة بين الواقع والخيال". وهذه، مثلا، قصة "مئة حكاية وغابة" تشتمل، بعد عتبةٍ تفتتحها، على ما تكتبه فتاةٌ في دفترها، وهي تلوذُ بشجرةٍ في غابة، تكتب حكاية خوفٍ ما تغالبه فتاةٌ في القصة التي تنكتب، تُقفلها بأنها نجت من ذبحٍ قبل ثلاث سنوات. أما الفتاة الكاتبة فقد دسّت الورقة في حقيبتها، ثم علّقتها على فرعٍ مورقٍ، نبَت على كتفها، على ما جاءت به نهاية القصة. أما "عشرون بل أكثر"، ففيها طفلةٌ في مدرسةٍ للمجانين، كما يسمّونها، في ما هو ملجأ لذوي الاحتياجات الخاصة. الطفلة كانت تحلم بزفافٍ وزواج، وهي لا تستطيع العد أكثر من عشرة. وفي "حياة من خشب"، تزوجت وردة مقابل خزانة خشبٍ تُلملم بين دفّتيها المتينتين فرشات صوفٍ سميكة. .. ولمّا قالت شيخة حليوي، في مقابلةٍ صحفية معها منشورة، إن النهاية التي تكتبها لقصتها القصيرة يجب أن تفاجئها، وتُدهشها، أحسب أن ثمّة فائضا من الدهشة في مختتم هذه القصة "ليس هناك أمرٌ مسلٍّ أكثر من زوج خشبي يلحّ في طلب قهوته الحلوة"... . وأحسب، قبل ذلك وبعده، أن هذه المقالة قصّرت في الإتيان على كل أسباب الفرح بقصص شيخة حليوي في "الطلبية C345".