قصة دولتين في أميركا... البيض يزدادون ثراء والسود يحصدون الفقر

05 يونيو 2020
الصورة
مظاهرات غاضبة في واشنطن (Getty)
+ الخط -

تفجر قضية قتل المواطن الأسود جورج فلويد وكيفية تعامل إدارة الرئيس دونالد ترامب معها أزمة النظام الرأسمالي الديمقراطي في أميركا، وكيف أن التمييز العنصري بات يخلق دولتين في البلاد، دولة البيض وأصحاب الشركات الغنية التي يحميها النظام الحاكم، ودولة السود والأقليات الفقيرة التي تخضع للعنف المنهجي والقمع من الشرطة ورجالات الأمن وتتهم بالتخريب حينما تعبر عن رفضها للظلم.

في شأن الفوارق العنصرية والمالية التي تفجر الغبن الاجتماعي، تشير دراسة لمعهد بروكغنز للدراسات في واشنطن إلى الفوارق الضخمة في النفوذ السياسي وتوزيع الثروة في الولايات المتحدة. وتقول بيانات المعهد إن ثروة العائلات المنحدرة من أصول بيضاء تساوي 10 أضعاف العائلات السوداء.

وتقدر الدراسة صافي حجم ثروة المواطن الأبيض بحوالى 171 ألف دولار، بينما تقدر ثروة نظيره الأسود بحوالى 17.1 ألف دولار. وترى الدراسة أن ذلك يعكس حجم الفوارق المتزايدة بين المجتمعات السوداء والبيضاء المتراكمة منذ عقود، بسبب العنصرية والتمييز في النفوذ السياسي والتعليم والفرص الوظيفية المبنية على اللون في أميركا. وهو تمايز باتت تحميه السلطة في عهد الحكومة الشعبوية التي يقودها ترامب.

ولاحظت الدراسة أن العائلات البيضاء تكسب في حال دورات الركود الاقتصادي، وتخرج بخسارة أقل في حال الانتعاش الاقتصادي وارتفاع أسواق المال في الولايات المتحدة.

وحسب الدراسة، خلال سنوات أزمة المال العالمية في 2008 وما تلاها من ركود اقتصادي بين أعوام 2007 و2013، تراجعت الدخول الصافية للعائلات السوداء بنسبة 44.3%، بينما تراجعت دخول العائلات البيضاء بنسبة 26%.

وعادة ما يتأخر توظيف السود عن نظرائهم البيض في دورات الركود الاقتصادي، إذ تمنح الشركات التي تديرها في الغالب النخب البيضاء الفرص الوظيفية المتاحة للبيض حتى في حال التساوي في المؤهلات.
وفي دورات الانتعاش والارتفاع القياسي لأسواق المال، تتزايد ثروة العائلات البيضاء في أميركا بسبب ما يتوفر لديها من فوائض مالية وقدرة على الاقتراض السهل من المصارف، تتيح لها الاستثمار في أسواق المال وتنمية ثرواتها، مقارنة بالعائلات السوداء التي غالباً لا تتوفر لديها فوائض مالية أو تتاح لها فرص الاقتراض من المصارف للاستثمار في أسواق المال أو تمويل الأعمال التجارية.

وكانت دراسة الاحتياط الفيدرالي "البنك المركزي الأميركي" للعام الجاري قد أشارت بياناتها بوضوح إلى "التفرقة العرقية" التي تنفذها البنوك التجارية الأميركية في منح التمويلات وفقاً للعرق واللون. تبعاً لذلك تتراكم الثروة في المجتمع الأميركي الأبيض، بينما يتزايد الفقر لدى المجتمع الأسود. 

ولكن هنالك عوامل أخرى ينظر لها المحللون في قراءتهم للفوارق العرقية في الثروة. من بين هذه العوامل ما يتوفر للعائلات البيضاء من مواريث مالية ومساكن وأراض وقدرة على تعليم أبنائهم في الجامعات المرموقة، مقارنة بالعائلات السوداء التي لم تخرج من عهد الرق والعبودية والتفرقة العنصرية، إلا بعد منتصف القرن الماضي. 

وبالتالي لا تملك هذه العائلات الممتلكات والإرث المالي المتراكم الذي تتمتع به العائلات البيضاء. وتعمل الغالبية العظمى من العائلات السوداء في الوظائف الدنيا وتحصل على أقل الأجور. 

في هذا الصدد، يقول البروفسور، جورج سومرس، الذي يدرس الاقتصاد السياسي بجامعة ويسكنسن الأميركية، إنه "على الرغم من الارتفاع الهائل في الناتج المحلي الأميركي خلال العقود السبعين الأخيرة، فإن الحد الأدنى للأجور لم يرتفع سوى بنسبة 75 سنتاً، وذلك بحساب الارتفاع الحقيقي الذي يأخذ في الاعتبار نسبة التضخم وخصمها من الدخل خلال هذه العقود".


وبالتالي، فإن تزايد الفوارق في الدخول والفرص الوظيفية والثروة والنفوذ السياسي يرفع من التباين الاقتصادي والغبن الاجتماعي، كما يمنع الانصهار العرقي والتماسك الاجتماعي السياسي في الولايات المتحدة.

ولاحظ خبراء أن هذا التفاوت في الدخول والثروة والنفوذ، المبني على العرق، أصبح ملموساً في إدارة الرئيس ترامب وتفاقم أخيراً بسبب جائحة كورونا.

وتختزل إدارة ترامب النجاح الاقتصادي والمالي للنظام الرأسمالي فقط في ارتفاع مؤشرات سوق "وول ستريت"، وزيادة ثروة الأغنياء دون النظر للمبادئ الأخلاقية لصناعة المال وتوزيع الثروة واقتسام نجاحات دولة الرفاه بين فئات المجتمع.

ويرى محللون أن تزايد الفجوة في الثروة بين المجتمع الأسود ومجتمع الأقليات يهدد الاستقرار السياسي في الولايات المتحدة، وربما يفجر قنبلة فوضى عارمة يصعب إخمادها بقوة الشرطة والأمن في المستقبل.

ويرى البروفسور سومرس أن هنالك حاجة ماسة لإصلاح النظام الرأسمالي، واأن معالجة لأزمات الاجتماعية والاقتصادية يجب ألا تترك فقط للشرطة وإنما هنالك حاجة لجهد سياسي كبير للتعامل معها.
ويلاحظ خبراء، في معالجة السلطات الأميركية لأزمة العنصرية التي فجرها قتل الشرطي الأبيض للمواطن الأسود فلويد، أنه بدلاً من إدانة ترامب لعملية القتل البشعة التي تعرض لها فلويد وإدانة العنصرية ضد المواطنين السود وحمايتهم من العنف الذي يتعرضون له من قبل الشرطة، لجأتإدارة ترامب إلى إنزال رجال الأمن وبشكل مكثف ضد المظاهرات السلمية بحجة حماية الممتلكات من التخريب.

وهذا يعني تقديم حماية المال على المواطن، أي أن الدم بات أرخص من المال،في أميركا وهو ما يتناقض مع مبدأ حرية التعبير والحريات العامة والمساوة، التي تكفلها النظم الديمقراطية.

على الصعيد الرأسمالي، يرى خبراء، أنه حينما تنهار البنوك وتشارف على الإفلاس تتخلى الحكومة الأميركية عن مبدأ "السوق الحر" الذي يمثل أحد أهم ركائز النظام الرأسمالي، وتهرع لإنقاذ المصارف عبر ضخ الترليونات من الأموال العامة، وهذا يتعارض مع "حرية السوق" التي تعني المنافسة الحرة والبقاء للأقوى.

في الشأن يقول المحلل السياسي الألماني المتخصص في الشأن الأميركي كريستيان هاكه من بون، "أعتقد أن البلاد تواجه أصعب أزمة منذ الحرب العالمية الثانية ... فمن جهة يوجد اليأس البين من العنصرية التي تتفجر مجددا مع وفاة فلويد.

ومن جهة أخرى هناك الانهيار الاقتصادي والمشاكل السياسية الداخلية للولايات المتحدة". وتضاف إلى ذلك تبعات فيروس كورونا التي تؤدي بعدد أكبر من الأميركيين إلى اليأس. "وفاة فلويد هي في النهاية شرارة أدت إلى احتراق جميع البلاد"، حسب هاكه.

ورغم أن جائحة الفيروس كورونا تمثل حالة استثنائية لإنقاذ الاقتصاد الأميركي والاقتصادات عموماً، إلا أنه في حالات سابقة لجأت الحكومة الأميركية لإنقاذ المصارف والشركات الكبرى، وتخلت عن المجتمعات في الأحياء الفقيرة بالمدن الأميركية التي تعاني من انهيار الحياة المعيشية وتزايد الفقر.

وتفاقم جائحة كورونا من فقر المجتمعات السوداء في ظل ارتفاع البطالة وعدم وجود مدخرات مالية تعتمد عليها الأسر مثلما هو الحال متوفر بالنسبة للعائلات البيضاء.
ويدخل النظام الرأسمالي في أميركا الذي كان يترقب التعافي من تداعيات جائحة كورونا أزمة عرقية جديدة بوفاة فلويد، قد تهدد تماسك النسيج الاجتماعي الاقتصادي، وربما ستتزايد الاحتجاجات ضد مقتل فلويد مع فك الحظر وعودة الاقتصاد للفتح الكلي حسب مراقبين.

فالفوارق في الثروة تتزايد بمعدل ضخم حتى في ظل هذه الجائحة، إذ بينما خسر حوالى 40 مليوناً وظائفهم، كسب الأثرياء في أميركا حوالى 282 مليار دولار في أقل من شهر.

وفي ذات الصدد، لاحظ محللون أن عدد الأثرياء وحجم ثرواتهم شهدا ارتفاعاً ضخماً في السنوات التي تلت أزمة المال في عام 2008، بسبب حصول الأثرياء على تمويلات رخيصة من المصارف المركزية وضخ ترليونات الدولارات في شركاتهم، وهو نفس التوجه الجاري حالياً في أميركا وأوروبا.

ويرى محلل الاقتصاد السياسي البريطاني نيك كوهين، في تحليل بصحيفة "ذا غارديان" البريطانية، أن انعدام العدالة في توزيع الثروة والاحتكار والضغوط الاقتصادية سيقود إلى تقويض النظام الرأسمالي، ما لم تتخذ الحكومات إجراءات للحد من تأثيراتها السلبية على المجتمعات.

وفي ذات الشأن، يحذر محللون بنشرة "فورن بوليسي" من مخاطر الفوارق العرقية، يرون أن التطرف ربما سيتزايد في الغرب الرأسمالي بعد نهاية فيروس كورونا ويضيف إلى تقوية الحركات الشعبوية في أوروبا.

المساهمون