اضطرابات المدن الأميركية...فوارق الدخول ومعدلات الفقر والبطالة المرتفعة تغذي المحتجين

02 يونيو 2020
الصورة
الاحتجاجات الأميركية في مينيابوليس Scott Olson/Getty
بينما كانت الولايات الأميركية تستعد لنفض غبار وباء كوفيد 19، واستئناف النشاط الاقتصادي، بعد توقّف جاوز الشهرين وتسبب في تراجع النمو الاقتصادي بنسبة تقترب من 5%، وارتفاع معدل البطالة لما يقرب من 25%، تعرضت مدينة مينيابوليس في ولاية مينسوتا الأميركية إلى فيروس عنصري قوي، تسبب في مقتل جورج فلويد، ذي الأصول الأفريقية، على يد شرطي أبيض.

ولم يلبث أن امتد أثر الفيروس العنصري إلى العديد من المدن في الولايات الأخرى، لتشهد جميعها احتجاجات عنيفة، ومواجهات قوية بين المواطنين والشرطة، خلّفت خسائر مادية فادحة وتخللتها عمليات إحراق وسلب ونهب للمحلات، اضطرت معها السلطات في ما يقرب من 40 مدينة إلى فرض حظر التجول، واستعانت حكومات الولايات بالحرس الوطني للمساعدة في السيطرة على الأمور، ومنع المتظاهرين من اقتحام المباني الحكومية، بعد خمسة أيام من اندلاعها.

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تشهد فيها مدينة مينيابوليس، الهادئة عادة، احتجاجات كبيرة، وأيضاً عمليات نهب للمتاجر وعنفا مع الشرطة، فقد اندلعت مواجهات مشابهة قبل ما يقرب من 53 سنة، تركزت في أحد الأحياء التجارية في المنطقة الشمالية التي تسكنها أغلبية من أصول أفريقية.

لا يعرف أحد على وجه اليقين الشرارة التي تسببت في انطلاق عمليات تخريب للعشرات من المباني والشركات وقتها، إلا أن أغلب أهل المدينة كانوا على علم بما يحدث فيها من عمليات تمييز واضحة، وظروف عمل صعبة وبطالة مرتفعة، وسياسات إسكان عنصرية، ضد السكان من أصحاب البشرة السوداء، لم تتسبب فيها حكومات الولايات فحسب، وإنما دعمتها العديد من الإدارات والرؤساء لعقود خلال القرن الماضي.

ومن بين 5.65 ملايين مواطن يسكنون ولاية مينسوتا، لا تمثل الأقلية السوداء أكثر من 7% من السكان، إلا أن حظوظهم من كل ما هو سيئ تزيد كثيراً عن تلك النسبة.
وفي حين كانت معاناتهم في السابق تتركز في صعوبة حصولهم على مساكن في المناطق "الراقية"، بمحددات متعددة، أهمها وجود نصوص في عقود عشرات الآلاف من المنازل التي يشتريها السكان البيض تمنعهم من بيع وحداتهم لغير البيض، وعدم قدرتهم على الحصول على التسهيلات المصرفية، تحوّل التمييز ضدهم في السنوات الأخيرة إلى الخدمات الطبية والتأمين الصحي، وهو ما ظهر في تمثيلهم لأكثر من 16% من 23 ألف حالة المؤكدة إصاباتهم بالوباء فيها خلال الشهور الأربعة الماضية.

وتشير البيانات الصادرة عن جهات حكومية أميركية إلى أنه من بين 529 ألف مواطن من سكان الولاية كانوا تحت خط الفقر الرسمي في عام 2018، وبينما كانت نسبة الفقراء في البيض لا تتجاوز 7%، تجاوزت النسبة 27% من السود.

وفي الوقت الذي كان معدل البطالة بين البيض لا يتجاوز 3% في الولاية، وصل عند السود إلى 8%. ومثل متوسط دخل الأسرة البيضاء أكثر من ضعف متوسط دخل الأسرة السوداء، ووصلت نسبة أطفال الأخيرة من الفقراء إلى 33%، رغم أنها لم تتجاوز 6% لدى الأسر البيضاء.

وتعكس الفوارق في مستويات الدخول ومعدلات الفقر في ولاية مينسوتا الأميركية تفاوتاً أكثر إيلاماً في مستويات الكفاءة العلمية، سواء في مراحل التعليم المدرسي أو عند التخرج.
وفي دراسة صدرت في شهر أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي عن بنك الاحتياط الفيدرالي في مينيابوليس، أظهرت الأرقام أن 65% من التلاميذ البيض في مينسوتا تمكنوا من تجاوز امتحان القراءة للسنة الرابعة من التعليم الابتدائي، بينما لم تتجاوز النسبة 31% بين التلاميذ السود. وفيما يخص امتحان الرياضيات للسنة الثامنة، كانت نسبة النجاح بين البيض 65%، ولم ينجح سوى 29% من السود.

وفي المجمل، تجاوزت معدلات التخرج من المدارس الثانوية عند البيض في 2018 نسبة 90%، بينما توقفت عند 77% بين السود. وفي حين كان 70% من البيض مستعدون لدخول الجامعة، لم ينل هذا الشرف أكثر من 26% من السود.

ومن عجائب التفرقة العنصرية التي تتعرض لها الأقلية ذات الأصول الأفريقية في مدينة مينيابوليس، أكبر مدن ولاية مينسوتا، التي تسكنها أعداد من المهاجرين الصوماليين تفوق أعدادهم في أي ولاية أخرى، المعاملة السيئة التي تتعرض لها تلك الأقلية من قوات الشرطة، التي يغلب على أفرادها البشرة السوداء.

وفي دراسة لمكتب المحامي العام بإقليم هينيبين الذي تتبعه مينيابوليس، ونقلتها أكبر صحف الولاية، أن 54% من 5113 سيارة تم توقيفها في الفترة بين شهري يناير/كانون الثاني وسبتمبر/أيلول من عام 2018 كان قائد السيارة أسود، وأن 75% من 525 سيارة تم تفتيشها خلال نفس الفترة كانت مملوكة للسود.

وأسوأ من ذلك، فقد مثل السود 60% ممن أطلق عليهم رجال شرطة المدينة الرصاص خلال الفترة بين 2009 و2019، على الرغم من أن نسبتهم من سكان المدينة لا تتجاوز 20%.
ورغم نزول نحو 5000 فرد من قوات الحرس الوطني إلى الشارع في 16 ولاية أميركية على الأقل خلال الأيام الثلاثة الماضية، لمواجهة أعداد المتظاهرين التي اقتربت من أعدادهم في الاحتجاجات القوية التي شهدتها أميركا قبل أكثر من نصف قرن، لم يكن هناك مفر من ارتفاع التكلفة المادية للاحتجاجات، التي لم تشهد حتى بداية يومها السادس إلا حالة وفاة واحدة، وكانت من الشرطة.

ورغم عدم صدور بيانات من أصحاب الأعمال عن حجم الخسائر التي تعرّضوا لها حتى الآن، أعلنت متاجر "تارغت" الشهيرة لمبيعات التجزئة، التي يقع مقرها الرئيسي في مدينة مينيابوليس، تعرّض اثنين على الأقل من متاجرها للنهب، وإغلاق أكثر من مائة من متاجرها في ولايات مختلفة، قبل أن تعدل البيان في وقتٍ لاحق، لينص على إغلاق 6 متاجر فقط.

وعلى صلة بالأمر، اقتحم المحتجون المحلات في طريق ملروز بمدينة لوس أنجليس، ليخرجوا منها في دقائق، كما أظهرتهم كاميرات محطات الأخبار، محملين بالبضائع الغالية من العلامات التجارية الشهيرة.

وكما كانت أزمة الوباء غير رحيمة بالأقلية السوداء، التي تشير الإحصائيات إلى أنها تحملت، بخلاف النسبة الأكبر من الوفيات وحالات الإصابة، العبء الأكبر من حالات تسريح العمالة وتخفيض الأجور خلال الأشهر الثلاثة الماضية، لم تسلم محلات الأقليات في مينسوتا من التخريب والنهب.

وأظهرت تسجيلات فيديو محل لشخص يدعى "هارونيان"، ذي بشرة داكنة ويبيع ما أطلق عليه "منتجات إسلامية"، وقد تحطمت واجهاته وحرقت أجزاء منه، وقال لمحطة سي أن أن "والدي وضع كل ما يملك في هذا المحل، ولا يوجد له مصدر دخل آخر".
ويوم الخميس الماضي، استيقظ سكان مدينة سان بول، الملاصقة لمدينة مينيابوليس، ليجدوا مشروع بناء 190 وحدة منخفضة التكلفة، الذي كان تحت الإنشاء، وقد تم إحراقه وسُوي بالأرض تماماً، وقدرت تكلفة المباني التي تم تدميرها بأكثر من 37 مليون دولار.

وبعد أن سجلت سلطات مينيابوليس احتراق ونهب أكثر من 200 محل وشركة خلال الاحتجاجات، يدرك الجميع أن حالات الإفلاس وتسريح العمالة فيها ستعاود ارتفاعها من جديد ابتداء من هذا الأسبوع.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع، لم تزدد الأمور في مينيابوليس، كما العديد من المدن الكبرى في الولايات المتحدة، إلا سوءاً بعد أن امتدت عمليات الإحراق والنهب إلى أغلب المحلات في المناطق التي شهدت احتجاجات، بما فيها المحلات التي تعلق لافتات تؤكد انتماء ملاكها إلى الأقليات من أصول أفريقية أو غيرها.

وفي حين كانت هناك مشاهد مشابهة في العديد من المدن الكبرى، مثل فيلادلفيا وشيكاغو، كما مدن أصغر في ولايات أخرى، امتلأت الشوارع القريبة من البيت الأبيض بزجاج المحلات الذي تم تكسيره، وتم اقتحام وسرقة العديد من المحلات في المنطقة السياحية، بينما غطت الشعارات المناهضة للعنصرية المباني الحكومية المنتشرة في المنطقة.

وعلى مسافة ليست بعيدة، دمر المتظاهرون العديد من المزارات السياحية التي جسدت ذكريات الحرب الأهلية وملامح التفرقة العنصرية في ولاية فيرجينيا القريبة من واشنطن العاصمة.
وفي مدينة توسكان بولاية أريزونا.

وبينما غلب طابع السلمية على الاحتجاجات، قدر عمدة المدينة تكلفة ما قامت به بعض "العناصر المندسة" بأكثر من 200 ألف دولار، الأمر الذي يؤكد ضخامة التكلفة في المدن الأخرى التي اجتاحها العنف، وإن كان الجميع يضع التكلفة المادية في مرتبة متأخرة في ترتيب أولويات السلطات خلال الأحداث الجارية.

وفي نيويورك وحدها، تم تدمير 15 سيارة تابعة لقوات الشرطة، بعد أن اقتحمت سيارتان منها تجمع للمحتجين، في مشهد نادر الحدوث في الولايات المتحدة، وشاهده الملايين على الهواء. وبلغت تقديرات ما سيتم دفعه من أجر للعمل كوقت إضافي لأفراد الشرطة ملايين الدولارات في الأيام الخمسة الأولى للاحتجاجات.