قصة النفط الصخري الأميركي... تخبّط بعد الانهيار الكبير

23 ابريل 2020
الصورة
مصافي النفط في كاليفورنيا (Getty)
تعرض العالم إلى صدمات نفطية متتالية خلال الأيام الماضية، كانت أكثرها حدة صدمة انهيار الخام الأميركي تسليم مايو/أيار، يوم الإثنين، إلى 37 دولاراً تحت الصفر.

واستمر منحى التراجع  ليطاول الخام الأميركي (نايمكس) تسليم يونيو/حزيران، الذي هبط إلى 6 دولارات، الثلاثاء، فيما تراجع خام برنت المرجعي إلى أقل مستوى له منذ عام 2001، وصولاً إلى سعر 16 دولاراً للبرميل. لتعود الأسعار إلى التوازن، بحيث وصل نايمكس تسليم يونيو إلى 17.88 دولاراً، اليوم الخميس، في حين ارتفع "برنت" إلى 22.2 دولاراً للبرميل.

إلا أن الانحدار التاريخي للخام الأميركي عزز القلق على مصير شركات النفط الصخري الأميركي، التي ترتفع كلفة إنتاج البرميل لدى أغلبيتها عن 60 دولاراً، وتصل في بعضها إلى 90 دولاراً. وانعكس توتر الأسواق، يوم الثلاثاء، على مؤشرات الأسهم الرئيسية الأشهر في الولايات المتحدة، في رسالة واضحة إلى العالم كله بأن شركات النفط الصخري الأميركي لن تغرق وحدها في شلالات النفط الرخيص.

ورغم بداية إنتاج النفط والغاز الصخريين في أربعينيات القرن الماضي، إلا أن العقدين الأخيرين شهدا ما أطلق عليه "ثورة النفط الصخري"، لتساعد الولايات المتحدة، التي كانت في وقتٍ من

الأوقات المستورد والمستهلك الأكبر في العالم للنفط، على التوقف تماماً عن استيراده في كثير من الأوقات خلال العام الماضي.

ووصل إنتاج النفط الأميركي في 2019 إلى أعلى مستوياته في التاريخ، بمتوسط 12.23 مليون برميل يومياً، مرتفعاً بنسبة 11% عن العام السابق، الذي شهد بدوره ارتفاعاً بأكثر من 17%، وفقاً لإدارة معلومات الطاقة الأميركية.

وبخلاف مساهمته التي تتجاوز 8% من الناتج المحلي الإجمالي الأميركي، وعدد الوظائف المباشرة الذي يتجاوز 10 ملايين وظيفة، يلعب قطاع النفط والغاز الأميركي دوراً لا يدانيه الدور الذي تلعبه أي من القطاعات الأخرى.

وخلال العقدين الأخيرين، ساهم القطاع في انتعاشة الاقتصاد الأميركي، بضخه مئات المليارات من الدولارات من الاستثمارات الجديدة، كان منها أكثر من 1.1 تريليون دولار أنفقها القطاع خلال الفترة من 2012 – 2016 على البنية الأساسية في الولايات المتحدة، وفقاً لبيانات معهد النفط الأميركي American Petroleum Institute، وضعته على رأس قائمة قطاعات الاقتصاد الأميركي في نسبة الإنفاق الاستثماري فيها.


ورغم تعدد روابط القطاع مع قطاعات الاقتصاد الأميركي الأخرى، التي تمتد من التصنيع

والنقل، مروراً بالتدريب والاستشارات والتكنولوجيا، ووصولاً إلى العقارات، إلا أن الروابط مع القطاع المالي لم تنقطع منذ بداية الثورة النفطية في الولايات المتحدة.

وخلال العقدين السابقين، حصلت شركات قطاع النفط الأميركي على مئات المليارات من الدولارات من القروض، حتى وصلت بنسبة الدين إلى حقوق الملكية، أو ما يطلق عليه الرافعة، لما يقرب من 95% في بعضها.

ومن بين 82 شركة تعمل في مجال الطاقة يشملها مؤشر اس آند بي 1500، أغلبها من الشركات التي تعمل في إنتاج وصناعات النفط، وصلت النسبة في 30 منها لأكثر من أربعين بالمائة، الأمر الذي يجعلها عرضة لمشكلات سيولة كبيرة عند مستويات الأسعار الحالية، ويهدد بإفلاسها حال استمرار الأسعار المنخفضة.

ومن بين الديون الموجودة بميزانيات الشركات العاملة في قطاع النفط بأميركا الشمالية، توجد استحقاقات بمبلغ يتجاوز مائتي مليار دولار يحين موعد سدادها خلال الفترة بين العامين 2020 و2024، وفقاً لوكالة موديز للتصنيف الائتماني، وهو ما يعرضها، ويعرض مشتري سنداتها، لمشكلات بالغة، بعد تراجع السيولة لديها وانهيار أسعار النفط.


وبعدما شاركت مؤسسات الإقراض الأميركية قطاع النفط الأميركي انتعاشته الكبرى خلال

السنوات الأخيرة، بقروض سخية، لم تستطع تلك المؤسسات فض هذه الشراكة قبل تعرض أسعار النفط لأسرع انهيار في تاريخها.

وفي عشر سنوات من الإحدى عشرة سنة الأخيرة، كانت شركات النفط الأميركية هي أكبر مُصدر لسندات الخردة، التي أغرت المؤسسات المالية بارتفاع معدلات الفائدة التي تدفعها، في وقتٍ استقرت فيه الفائدة عند واحد من أدنى مستوياتها التاريخية.

وأدى تهافت البنوك على شراء تلك السندات إلى دخولها في دائرة الخطر مع الشركات المقترضة. وفي تقرير صادر عن مؤسسة هاينس آند بونس، مطلع الشهر الجاري، عن إفلاس الشركات العاملة في قطاع النفط، جاء أنه "منذ عام 2016، عندما بدأت أسعار النفط في الانخفاض، تقدمت 209 شركات من منتجي النفط في أميركا الشمالية بطلب إفلاس ينطوي على دين إجمالي قدره 121.7 مليار دولار، وهو ما يوضح حجم الاستثمارات التي تلاشت من محافظ المؤسسات المالية ومقرضي تلك الشركات.

وبعد التطورات الأخيرة، أجبرت أسواق المال الشركات المنخنقة بالديون على تحمل كلفة أعلى عند الاقتراض، لمقابلة ما يستحق عليها من مدفوعات فائدة حالية، حتى اضطر الكثير من تلك الشركات إلى اللجوء إلى المستشارين الماليين للحصول على المساعدة في إعادة هيكلة ديونها، إذا تمكنت من تأجيل إعلان إفلاسها لبعض الوقت!

وبسبب تلك المديونيات، فقدت شركات النفط الأميركية المدرجة في مؤشر اس آند بي 500 في المتوسط ما يقرب من 60%، كما تراجعت أسعار السندات المصدرة منها بنسب غير معهودة إلا عند الاقتراب من حالة الإفلاس.

وفي حين خفضت شركة ستاندارد آند بورز للتصنيف الائتماني تصنيف عملاق النفط الأميركي إكسون موبيل، تترنح شركة أوكسيدنتال، إحدى أكبر شركات النفط الأميركية، التي تم تخفيض ائتمانها أيضاً، بعدما حصلت في العام الماضي على قرض بمبلغ 40 مليار دولار للاستحواذ على شركة أناداركو، وسيتعين عليها بسبب ذلك تسريح أعداد كبيرة من العمالة لديها.