قاهرةُ تعز :قلعةٌ أثريّة في مهبّ العنف

قاهرةُ تعز :قلعةٌ أثريّة في مهبّ العنف

11 مايو 2015
الصورة
اليوم هجرها الفرح والسلام (Getty)
+ الخط -


تقع "قلعة القاهرة" على السفح الشمالي لجبل "صبر" في مدينة تعز اليمنية، وترتكز على مرتفع صخري يطلّ على المدينة، متحصّنة بأسوار عالية، لتبدو وكأنّها تتأمّل تعاقب الممالك والإمارات.

يعود بناؤها إلى ما قبل الاسلام، ولكنّ سلطانها السياسي تألّق منذ ما يقارب ألف عام، وتحديداً في العصر الصليحي ( 1045-1138م)، وهي تُعدّ النواة الأولى لنشأة مدينة تعز... كل هذا وأكثر جعلها المكان الأثري الأهمّ في تعز. ولكنها تحوّلت اليوم ثكنة عسكرية، ما قلب حياة المحيطين بها رأساً على عقب.

حتى وقت قريب، كان ماجد الصبري (29 عاماً)، يعمل مترجماً ومرشداً سياحياً، يصعد مساء كلّ يوم سلّم القلعة برفقة مجموعة من الزوّار الأجانب الذين يقصدون القلعة من أقصى بلدان العالم. ويسكن ماجد تحت القلعة، لذا فإن القلعة وجوارها هي أكثر ما يعرفه ويحبّه. ولكن الآن لم يعد الزوّار يأتون، وليس هذا فقط ما يقلق ماجد، بل هو بات قلقاً على أطفاله ويمنعهم من الخروج إلى فناء منزلهم، على طرف المدينة، وذلك حتى لا يذهبون ضحية لمضادات الطيران التي يطلقها الحوثيون من داخل القلعة، بعد تحويلها إلى ثكنة عسكرية، ما جعل سكان المدينة يعيشون في هلع دائم.

كما حُرم الناشط سامي الحكيمي من اللقاء مع أربعين من أصدقائه المتطوّعين في فناء القلعة، صباح كلّ يوم خميس، لتنظيفها من المخلّفات وتوعية الزائرين بأهمية النظافة، وهو عمل تطوعي اعتادوا القيام به. ولا يزال سامي متحمّساً لتنفيذ فكرة مبادرته الذاتية، التي اقترحها على مكتب المحافظة، بهدف الاهتمام بالقلعة والترويج لها، ونشر صورها على مواقع التواصل الاجتماعي كمعلم تاريخي يحمل هوية تعز، الملقبة بـ"حالمة اليمينين"، والتي تمّ اختيارها عاصمة للثقافة اليمنية.

المشرف على القلعة تحدّث عن توقّف حتى الزائرين من الشباب اليمني عن زيارة القلعة، والذين تعودوا أن يمضغوا القات إلى جانب سورها المطلّ على المدينة. أما بشرى الخليدي، مديرة مكتب الآثار في المحافظة، فتقول لـ"العربي الجديد"، إنها حاولت من دون فائدة أن تنصح الأطراف المتحاربة تجنيب المواقع الأثرية، ومنها القلعة التي سيدّمرها الصراع ويشوّه إرثها التاريخي، والذي يعتبر ملكاً لجميع اليمنيين.
إقرأ أيضاً: قصر الباشا.. متحف الممالك المتعاقبة في غزّة

مدرسة في معتقل

"هي حصن الملوك، وأوّل معتقل سياسي في اليمن، وهي القلعة التي جمعت الأمان والرعب والنصر والسيطرة، وكانت بحقّ القاهرة"، هكذا يصفها الروائي اليمني عبد الولي الشميري. 
وبرغم وجود أشهر معتقل سياسي فيها، وأشهر سجن حربي، إلاّ أنها كانت تحوي أعرق مدرسة علمية لنزلاء القلعة، وللرهائن من أبناء وجهاء القبائل، وفيها تلقى العلوم الإسلامية والعربية آلاف النوابغ عبر العصور، وكان ممّن درسوا فيها الشيخ علي بن عبد الله البحر، من قبائل ماوية، أثناء ولاية عهد الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين، في أربعينيات القرن العشرين.

"عمر قلعة القاهرة بعمر النبي نوح عليه السلام"، ينقل الشميري عن المصادر التاريخية، التي تعيد عمر القلعة إلى القرن العاشر قبل الميلاد، حيث ظلّت لفترة مجرّد حصن، ظهرت أهمّيته العسكرية في العصر الإسلامي، بدءاً من عصر الدولة الصليحية في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، وحين وصل الأيوبيون إلى اليمن سنة (569هـ أي117م)، استولوا عليها، وجعلوها مقرّاً لحكمهم.

يعود البناء الأول للقلعة إلى ما قبل الإسلام، وقد أعيد ترميمها في القرن الخامس للهجرة في عهد الصليحيين، ثم تعاقب عليها الحكام العثمانيون، وعند خروجهم من اليمن تركوا وراءهم مدفعاً ضخماً، تعذّر حمله من القلعة، ويستخدمه مشرف القلعة لإبلاغ الأهالي بمواعيد الإفطار والإمساك في رمضان، رغم وجود المآذن خلال العقود الأخيرة.

غير أن الفترة الذهبية لهذه القلعة كانت في العصر الرسولي، في القرنين السابع والثامن الهجريين، حين اتّخذ الرسوليون من مدينة تعز عاصمة لحكمهم، وتعدّدت وظائف القلعة لديهم، فتارة هي دار للإمارة، وتارة مدرسة علمية، وأحياناً معتقلاً سياسياً، وهذا امتدّ لعهد الدولة الطاهرية، ثم العثمانيين قبل أن يتخذها الإمام أحمد بن يحيى حميد الدين وابنه أحمد من بعده، مكاناً لتجميع الرهائن، وهم أبناء شيوخ المنطقة، الذين كان الإمام يحتجزهم في إقامة جبرية، ضماناً لولاء عشائرهم.

وهكذا أصبحت القلعة مقراً للملوك الذين بنوا فيها عدداً من القصور لسكناهم وعائلاتهم، وتارة كان بعض مباني القلعة يمثل سجوناً للمعارضين للحاكم. وردت حكاية قلعة القاهرة في كثير من كتابات الرحّالة والمؤرخين العرب والأجانب، ومنهم ابن بطوطة وياقوت الحموي وإدوارد فيكودي والكابتن الهولندي بترمان... وصفوها جميعاً بأنها أعظم وأجمل قلاع اليمن، لما فيها من أبراج شاهقة آية في الجمال والمتانة.

تمت إعادة ترميم القلعة نهاية فبراير/ شباط من العام الماضي، لمحاولة إظهار بعض المعالم فيها، من أنفاق سرّية، لكنّ بشرى الخليدي ترى بأن القلعة لا تزال تفتقر إلى تمويل للخطة التشغيلية، والعديد من المرافق الخدمية والترفيه، وأيضاً توفير وسيلة مواصلات لكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة...

تتكوّن القلعة اليوم من عدد من المباني والأبراج والمتنزهات وخزانات المياه والأنفاق، كما تحتوي على عدد من مخازن الحبوب، ولم يبق من سورها إلا ما هو محيط بها، بعد أن كان متّصلاً بأسوار مدينة تعز القديمة.

القلعة التي بنيت للصمود وتحدّي العواصف، هي اليوم في خطر حقيقي، فقد تحوّلت حصناً عسكرياً للحوثيين، ما يهدّد تاريخها المشرق، كقبلة لزوّار اليمن وأشهر المواقع الأثرية فيه، ودرّة محافظة التعزيين الثرية بالمواقع الأثرية، والتي تبلغ قرابة 174، بينها حصون وقلاع وسدود ومقابر، معظمها يعود إلى ما قبل الإسلام.

قبل أن نودّع الحكيمي، يأمل، باسم الشباب اليمني وأبناء تعز "الحالمة"، أن تعود القلعة إلى دورها الأثري والثقافي، وتفتح أبوابها للزائرين المسالمين من كل العالم، بعد إخلاء فنائها من مضادات الطيران والمتاريس الترابية الحربية.
إقرأ أيضاً: حبَابة اليمنية: أطلال حمير تنتظر رواة حكاياتها

إقرأ أيضاً:قلعة نزوى.. حكايات السحر والعلماء والاستعمار 

المساهمون