قائد الجيش الجزائري يهاجم بوتفليقة: فيتو ضد المرحلة الانتقالية ودعوة للتعجيل بالرئاسيات

17 يونيو 2019
الصورة
قايد صالح دعا القوى السياسية مجدداً لتقديم تنازلات (Getty)
جدد الجيش الجزائري دعوته للأطراف السياسية والمدنية في الجزائر إلى التعجيل بإنجاز التوافقات السياسية والترتيبات المؤدية لتنظيم انتخابات رئاسية في وقت وجيز.

وقال قائد أركان الجيش، الفريق أحمد قايد صالح، في خطاب ألقاه خلال لقائه مع القيادات العسكرية في منطقة بشار، جنوبي الجزائر، إن "سبيل الخروج من الأزمة الحالية التي تمر بها البلاد ينبني على ضرورة التمسك بأحكام الدستور، وانتهاج أسلوب الحوار الجاد بين جميع الأطراف والتعجيل في تنظيم الانتخابات الرئاسية في الآجال المتاحة دستوريا".

وأكد قائد الجيش أن "الأولوية الآن هي الإسراع والتعجيل في انتخاب رئيس الجمهورية في الأوقات والآجال المتاحة دستوريا والمقبولة زمنيا"، والتي قال إنها وصلت اليوم "إلى حدودها القصوى"، مردفًا بأن "على الجزائريين أن يبحثوا الآن عن أنجع الطرق إلى بلوغ ذلك". وأعاد قايد صالح التذكير بأن "إيجاد هذه الطرق الموصلة إلى الانتخابات الرئاسية لا يتم إلا بالحوار الذي ترضي نتائجه أغلبية الشعب الجزائري".

وألغى المجلس الدستوري في الخامس من يونيو/حزيران الجاري انتخابات رئاسية كانت مقررة في الرابع من يوليو/تموز المقبل، بسبب مقاطعة سياسية وشعبية واسعة، وأعلن رئيس الدولة عبد القادر بن صالح إرجاء الانتخابات إلى حين إنشاء هيئة مستقلة تشرف على تنظيم الانتخابات بالكامل، عقب إجراء حوار وطني، لكن القوى السياسية والمدنية ترفض إقامة أي حوار معه وتطالب برحيله ورئيس الحكومة نور الدين بدوي لكونهما من رموز نظام حكم الرئيس المستقيل عبد العزيز بوتفليقة.

وجدد المسؤول العسكري تحذيرات سابقة بشأن ما اعتبره "مغالاة سياسية تعرقل الذهاب إلى انتخابات رئاسية"، ورفع فيتو سياسيا ضد مقترح تعيين مجلس أو رئيس يدير مرحلة انتقالية، واعتبر أن "إجراء الانتخابات الرئاسية في أقرب وقت ممكن وفي أحسن شروط الشفافية والمصداقية، يمثل عنصرا أساسيا تستوجبه الديمقراطية الحقيقية التي لا يؤمن بها، مع الأسف الشديد، بعض أتباع المغالاة السياسية والأيديولوجية الذين يعتبرون أن الانتخابات هي خيار وليست ضرورة، وذلك هو قمة التناقض الفكري والسياسي، فأي ديمقراطية دون انتخابات حرة ونزيهة؟ إلا إذا كانت الديمقراطية تعني الانغماس في مستنقع التعيين".


ويطالب قطاع واسع من القوى السياسية والمدنية ببدء مرحلة انتقالية وتعيين مجلس أو رئيس انتقالي من بين الشخصيات الوطنية التي تحظى بتوافق وإجماع سياسي وشعبي، وتدعم هذا الخيار قوى التغيير التي تضم أحزاب وشخصيات المعارضة السياسية، كما وقعت 70 منظمة ونقابة، السبت الماضي، على وثيقة سياسية تطالب ببدء مرحلة انتقالية والتوافق حول مجلس أو رئيس انتقالي.

وشدد قايد صالح على رفض الجيش لأي مقترحات أو حلول سياسية تخرج عن "الإطار الدستوري"، مشيرا إلى أن "هذا الموقف لا يمكن التخلي عنه". وعاد القائد العسكري لإطلاق تحذيرات باتجاه أطراف سياسية لم يسمها اتهمها بمحاولة تشويه الجيش وإطالة الأزمة، وقال "هذا الشعب الأبي الذي عليه أن ينتبه بل ويحذر من استمرار بعض الأشخاص وبعض الأطراف في إبداء معارضة تستند فقط إلى نهج تشويه صورة الآخرين، أو صياغة طلبات جديدة واقتراحات غير صائبة بل وغير موضوعية، تصب في خانة الممارسات غير البناءة التي تهدف وعن قصد إلى إطالة أمد الأزمة التي نواجهها".

ودعا قايد صالح القوى والشخصيات السياسية والمدنية إلى التحلي بنكران الذات والتنازل للتوصل إلى حل قريب للأزمة، موضحا أن "مفاتيح هذه الأزمة موجودة لمن تتوفر فيهم شميلة الإيثار، أي التخلي عن كافة دروب الأنانية الشخصية والحزبية وغيرها من الأنانيات الأخرى، وذلك من خلال تغليب مصلحة الجزائر على أي مصلحة أخرى، والأكيد أن أهم مفاتيح ذلك يتلخص تحديدا في انتهاج نهج الحوار بين جميع الأطراف الجادة".

وهذه هي المرة الرابعة التي يدعو فيها قائد الجيش إلى إقامة حوار وطني لحل الأزمة السياسية، لكنه لم يعلن عن أي آلية لإقامة هذا الحوار، ما يجعل الملف ضمن حلقة مفرغة تدور فيها الأزمة الجزائرية منذ استقالة بوتفليقة في الثاني من إبريل/نيسان الماضي، عقب مظاهرات شعبية وحراك بدأ في الـ22 من فبراير/شباط الماضي.


ملاحقة الفاسدين

وتعهد قائد الجيش باستمرار تقديم دعم كامل لأجهزة العدالة في حملة مكافحة الفساد وملاحقة الرموز السياسية والمالية للنظام السابق، "بما يسمح لها بأداء مهامها على أحسن وجه ويكفل لها القيام بدورها التطهيري على الوجه الأصوب... وبما يكفل بالتالي مثول كافة الأشخاص المفسدين مهما كانت منزلتهم الوظيفية والمجتمعية"، مؤكدًا أن "هذا هو النهج الذي ستسهر المؤسسة العسكرية على انتهاجه بكل عزم في سبيل تمهيد الطريق أمام تخليص الجزائر من دنس الفساد والمفسدين قبل إجراء الانتخابات الرئاسية المقبلة"، على حد وصفه.

وبدا قائد الجيش الجزائري في حالة مراجعة سياسية إزاء موقفه من الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والذي ظل يدعم سياساته ويثني على إنجازته ويساند مسعى ترشحه لولاية رئاسية خامسة حتى السابع من مارس/آذار الماضي.


واتهم قايد صالح بوتفليقة ومحيطه المقرب - دون أن يسميه - بتوفير مناخ مشجع على الفساد، وقال "لقد تبين الآن للشعب الجزائري من خلال كل هذه الملفات المعروضة على العدالة، أنه قد تم في الماضي وعن قصد، توفير كل الظروف الملائمة لممارسة الفساد، وقد تبين أيضا من خلال ذلك أن ما كان يعرف بإصلاح العدالة هو كلام فارغ وإصلاحات جوفاء... وعلى العكس تماما فقد تم تشجيع المفسدين على التمادي في فسادهم".

وهاجم قائد الجيش رؤساء الحكومات السابقين والوزراء الملاحقين من قبل العدالة والموقوفين في السجن، بسبب تبديد المال والمقدرات المالية، وقال "لقد تبين الآن السبب الأساسي لما تعاني منه بلادنا من أزمة اقتصادية، وهو سبب تسييري في المقام الأول، أي أن المال العام كان بالنسبة لبعض المسيرين عبارة عن مال مشاع، بل ومباح يغترفون منه كما يريدون ووقت ما يشاؤون ودون رقيب ولا حسيب".

واستطرد قائلًا: "الغريب أن ثقل الملفات المعروضة على العدالة اليوم، تظهر بوضوح أن أصحاب هذه الملفات قد فقدوا كل مقومات الالتزام، وكل متطلبات المسؤولية، من خلال استغلال وظائفهم ونفوذهم وسلطتهم من أجل التعدي على القوانين واختراق حدودها وضوابطها"، مشيرا إلى مشاريع مصانع وهمية للسيارات قال إنه "تم خلقها كمشاريع عقيمة وغير مفيدة أصلا للاقتصاد الوطني، وتم منحها بأشكال تفضيلية، وبمبالغ مالية خيالية في صيغة قروض"، معتبرًا أنه "بهذا الشكل تعطلت وتيرة التنمية في الجزائر".

وتلاحق العدالة الجزائرية عددا من رجال الأعمال، بينهم أصحاب مصانع وهمية للسيارات، كصاحب مصنع "هيونداي"، محيي الدين طحكوت، وصاحب مصانع سيارات "فولكسفاغن" و"سوفاك" مراد عولمي، إضافة إلى زعيم الكارتل المالي علي حداد، وثلاثتهم موقوفون في السجن بتهم الفساد وتبديد المال العام والحصول على قروض وامتيازات دون وجه حق، ويلاحق في قضاياهم أيضا رئيسا الحكومة السابقان أحمد أويحيى وعبد المالك سلال، ووزير التجارة السابق عمارة بن يونس، وهم موقوفون في السجن، إضافة إلى 12 وزيرا آخرين تجري ملاحقتهم وتم وضع بعضهم تحت الرقابة القضائية.