في وداع "صراع العروش"... الحرب ليست نزهة

18 ابريل 2019
الصورة
متوسط إنتاج الحلقة الواحدة وصل لـ15 مليوناً (HBO)
+ الخط -
بالتأكيد، توقعت شبكة HBO التلفزيونية، وحين بدأت قبل 12 عاماً التحضير لملحمة "غيم أوف ثرونز" (صراع العروش، Game of Thrones)، المقتبسة عن سلسلة روايات الكاتب جورج مارتن، المسماة "أغنية الثلج والنار"، أن يكون مسلسلاً ناجحاً للغاية، وربما يضاهي نجاحات إنتاجاتها الأبرز مثل The Wire وThe Sopranos. لكن هل تخيل أحد أن ملحمة الممالك السبع والصراع على العرش الحديدي ستكون - بحسابات المتابعة الجماهيرية وأرقام المشاهدات - أنجح عمل تلفزيوني في التاريخ؟ مهما تكن الإجابة، فللأمر أسباب كثيرة سنحاول ملاحقتها، بمناسبة بدء عرض الموسم الثامن والأخير من المسلسل. 

الثلج والنار
لقرابة عقدين، ظل الكاتب جورج مارتن يؤلّف روايات لا تحقق أي نجاح يذكر، حتى طرح عام 1996 رواية بعنوان Game of Thrones أو صراع العروش، كانت الجزء الأول من سلسلة فانتازيا ملحمية تحمل اسم "أغنية الثلج والنار"، قرر في النهاية أن تكون في سبعة أجزاء. ومع النجاح الكبير الذي لاقاه الكتاب الأول ثم الثاني (الذي صدر عام 2000 بعنوان A Clash of Kings)، تلقى مارتن العديد من العروض السينمائية لتحويل ملحمته إلى أفلام، خصوصاً في لحظة زمنية ببداية الألفية كانت ثلاثية "سيد الخواتم" المقتبسة عن أعمال ملهمه الأول جاي آر. تولكين تحقق نجاحاً استثنائياً. لكن مارتن رفض كل العروض، اعتقاداً منه أن عمله لا يمكن اختزاله في أفلام من ساعتين أو ثلاث، ويحتاج مسلسلاً.

كانت المشكلة قطعاً أن ميزانية المسلسلات لن تكون كافية أبداً لكل تلك المعارك والأزياء والديكورات والعوالم التي خلقها، لذلك ظل الأمر مؤجلاً، حتى أحيته شبكة HBO عام 2007، بميزانية مبدئية للموسم الأول بلغت 60 مليون دولار، وهو رقم ضخم جداً حينها.
ومع التوافق الذي تم بين مارتن والكاتب ديفيد بينوف ودانيال وايز، والتي تقول إحدى الأساطير المتعلقة بالمسلسل إنه وافق على أن يكونا صانعيّ المشروع بعد إجابتهم عن سؤال: "من هي والدة جون سنو الحقيقية؟" (وهو السؤال الذي ظل معلقاً في المسلسل حتى الموسم السابع)، مع هذا التوافق، بدأت الرحلة الطويلة من "صراع العروش".



ما يستحق أن يُروى
عرض الموسم الأول عام 2011، ونجح بشكل لافت، قبل أن يتصاعد النجاح رويداً رويداً حتى يبلغ ذروته في 2013. ومع عرض الموسم الثالث، الذي تزامن أيضاً مع نهاية Breaking Bad، استطاع أن يكون "صراع العروش" هو المسلسل الأكثر شعبية على الساحة، وكل ما يحدث على مدى ست سنوات لاحقاً هو زيادة تلك الشعبية لدرجة غير مسبوقة تاريخياً. فما الذي وجده الناس مختلفاً في المواسم الثلاثة الأولى تحديداً ووضعه في تلك الخانة مبكراً واستمر بعد ذلك؟

أول وأهم الأسباب هو تحدي مارتن للفكرة الدارجة في أي ميثولوچيا أو ملحمة ضخمة، عن وجود فارق واضح بين الخير والشر، الأبيض والأسود، الفرسان والهوبيت في مواجهة قوى الظلام (كما في ملحمة الخواتم)، أو ثوار المجرة في مواجهة الإمبراطورية ودارث فيدر (كما في Star Wars مثلاً). مارتن يعارض تماماً تلك الفكرة، فالحياة التي نعيشها أكثر رمادية من ذلك بكثير. في حديث تلفزيوني معه قال إن "ويليام فوكنر قال في خطبته أثناء تلقيه جائزة نوبل إن الشخصيات التي يوجد في قلبها صراع داخلي هي الشخصيات التي تستحق أن تروى حكايتها، ولقد تأثرت بتلك الجملة كثيراً، فالشرير بالنسبة لك بطل لغيرك". ويمكن اتخاذ كلمة "الشرير بالنسبة لك بطل لغيرك" معبرة تماماً عما يحدث دائماً في "صراع العروش"، كصورة معقدة تتجاوز الخير والشر والانحياز السطحي الواضح بينهما.

من هنا، أيضاً، تأتي النقطة الثانية، وهي بناء الشخصيات عند مارتن؛ فالكاتب يقول - في الحوار نفسه - إن "التقرب من الشخصيات لمعرفة دوافعها هو أكثر عملية شيقة في فعل الكتابة"، ولذلك اختار في رواياته أن يَكتب الفصول بأسماء الأبطال، وكل فصل يحمل وجهة نظر صاحبه في الأحداث وما يمر به. وهو ما انعكس في المسلسل بطريقة لم يعهدها الناس؛ يمكن بسهولة أن يرى البعض أن آل ستارك نبلاء.. بينما يرى آخرون أنهم حمقى. يمكن أن يحب البعض تايون لانستر لدهائه وبأسه، ويمكن أن يراه آخرون مجرد شخص عنيف ومتحجر القلب، بل إننا نخوض عبر المواسم رحلات طويلة تغير علاقتنا بالشخصيات وتغيرهم هم أنفسهم، كأنهم من لحمٍ ودم، والمثال الأبرز جيمي لانستر الذي كان الخصم الأهم - بصورة أقرب للشرير - في الموسم الأول ومنذ الحلقة الافتتاحية، ثم مع نهاية الموسم الثالث وقربنا منه وتفهمنا لحياته ودوافعه أكثر، صار من الشخصيات الأقرب للمتفرج.

ثم هناك الأمر الثالث الاستثنائي المختلف في العمل وهو "الصدمة"؛ فحين عرضت الحلقة التاسعة من الموسم الأول لم يصدق الناس أن من يعتقدون أنه البطل الرئيسي للعمل والشخص الأكثر طيبة ونبلاً وأخلاقية يُقطع رأسه أمامهم بتلك البساطة! أمر تكرر كثيراً بعد ذلك، تحديداً في الحدث المعروف بـ"العرس الأحمر" في الموسم الثالث، والذي مثل أكبر صدمة في تاريخ التلفزيون، وغيرها. هذا الأمر مخالف لكل موروثاتنا القصصية كبشر، والتي تُعلي من قيمة الخير وتجعل نصره في النهاية حتمياً بعدالات شاعرية أقرب إلى الجنة الأرضية. مارتن يفكك ذلك تماماً، يقول إنه "سئم من القصص المعتادة التي يعلم المتلقي منذ البداية من هو الطرف الخير ويجهز نفسه أن لا مكروهَ سيصيبه". تلك العدالة يرفضها الرجل والمسلسل بالضرورة، وحسب تعبيره أيضاً فهو "يرفض تصوير الحرب كنزهة، فالحرب تحتمل موت الجميع".




15 مليوناً
صحيح أن معظم الأسباب المرتبطة بنجاح المسلسل متعلقة بالكتابة أولاً وأخيراً، إلا أن الأمر أوسع من ذلك أيضاً عند الحديث عن صناعة ترفيهية ضخمة مثل التلفزيون.
أبرزها أن قرارات الشبكة الإنتاجية كانت تتسع مع كل نجاح جديد يحققه المسلسل، ومن بداية بـ60 مليون دولار كميزانية، أي ستة ملايين دولار للحلقة الواحدة، فإن متوسط إنتاج الحلقة الواحدة في الموسم السابع (قبل عامين) وصل لـ15 مليوناً، وهو بالتأكيد أعلى في الثامن الذي يعرض حالياً. هذا الأمر منح التنفيذ جودة تقنية مبهرة، لم يعتقد قبل ذلك أن المسلسلات قادرة على منافسة الأفلام في رقعة المعارك والتقنيات.

لم يتخيل أحد قبل سنوات قليلة أن نشاهد حلقات كاملة عبارة عن معركة واحدة بكل تفاصيلها، مثلما حدث مع Black Water (التاسعة من الموسم الثاني)، أو Hardhome (الثامنة من الموسم الخامس)، أو بالطبع Battle of the Bastards (التاسعة من السادس)، وغيرها، قبل أن يأتي "صراع العروش" ويجعل كل هذا محتملاً ويذيب الفارق بين المسلسلات والأفلام تماماً من ناحية الجودة والإمكانيات.

ثم تأتي النقطة الأخيرة، وهي استفادة المسلسل التامة من أنه أتى في عصر انتشار الـ"سوشيال ميديا"؛ فمع عمل قائم على "الصراع" و"الحرب"، ولا يخلق شراً مطلقاً ولا طيبة نقية، فإن الناس ينحازون لأطراف مختلفة؛ يتناقشون لأسابيع لتبرير انحيازهم، لـ"ستاركس" أو "لانسترز" أو حتى الناقمين على البشرية الحمقاء ويعبرون عن انحيازهم للـ"سائرين البيض"، كل ذلك يملأ مواقع التواصل، لأن الناس يحبون قطعاً، وفي أوقات الحرب والصراع تحديداً، التعبير عن الصف الذي ينتمون إليه، وهو ما يخلق جدلاً وحضوراً دائماً للمسلسل، ويجعل من لم يشاهده كأنه غريب ومستبعد، وبالتالي يزداد انتشاره وتتسع رقعته بين الملايين موسماً بعد آخر، وبنجاحٍ لا يضاهيه أي مسلسل.
مع ليلة 19 مايو/ أيار المقبل، وفي حلقة تلفزيونية أخيرة، تقول الشائعات إنها قد تصل لساعة ونصف، سيغلق الستار على "صراع العروش"، بعد ثمانية مواسم و73 حلقة وسنوات صاخبة من الجنون والعنف والدموع. وأيّاً كان المنتصر في النهاية، فقد وشم العمل اسمه في تاريخ التلفزيون وصار جزءاً من الثقافة الشعبية لقطاع عريض من الناس إلى الأبد.

دلالات