في معنى ضم إسرائيل الأغوار

26 مايو 2020
الصورة

في احتجاج فلسطينيين على ضم قرية طمون (/9/2/2020/فرانس برس)

+ الخط -
على الرغم من إعلان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن الحكومة التي شكلها مع رئيس تحالف أزرق أبيض، بيني غانتس، أخيراً، ستعمل على ضم منطقة غور الأردن والمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلا أن هذه الفكرة كانت قد برزت إثر الاحتلال الإسرائيلي لباقي الأراضي الفلسطينية في يونيو/ حزيران 1967. وثمّة إجماع بين قادة إسرائيل، على اختلاف توجهاتهم بضم غور الأردن، وتبلور ذلك فيما يُعرف باسم مشروع آلون، الذي كانت إسرائيل قد بدأت تنفيذه أواخر الستينيات، ببناء مجموعة كبيرة من المستوطنات على طول نهر الأردن.
وقد بدأ النشاط الاستيطاني الإسرائيلي لمنطقة الأغوار منذ احتلالها في 1967، لأسباب استراتيجية، مائية واقتصادية وأمنية بالدرجة الأولى، بسبب موقعها على امتداد أطول جبهة عربية مع إسرائيل لفرض الأمر الواقع، وفي محاولة لرسم الحدود الشرقية لإسرائيل، واعتبارها حدا فاصلا مع الدول العربية، تطبيقا عمليا لغالبية النظريات الأمنية والاستراتيجية الإسرائيلية. ونتيجة سياساتها التهويدية، باتت إسرائيل تسيطر على 90% من المساحة الكلية للأغوار التي تصل إلى 1638 كيلومترًا مربعًا؛ حيث تشكل 28% من مساحة الضفة الغربية، البالغة 5690 كيلو مترًا مربعًا. وبغرض تهويد منطقة الأغوار، حوّلت إسرائيل الأراضي إلى ما تسمّى أراضي دولة، فضلاً عن مناطق عسكرية محميات طبيعية. وتشكل منطقة الأغوار حدود الفلسطينيين الشرقية. ومنذ احتلال المنطقة عام 1967 وحتى بداية العام الحالي (2020)، أنشأت إسرائيل 33 مستوطنة غالبيتها زراعية، فضلاً عن 18 بؤرة استيطانية، يتركز فيها نحو 11 ألف مستوطن، فضلاً عن المعسكرات والقواعد العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي والحواجز العسكرية، ومخطط الجدار الشرقي الذي قضم مساحات
 شاسعة من أراضي المحافظة الشرقية. وتبعاً للنشاط الإسرائيلي التهويدي في منطقة الأغوار، وكذلك سياسة إخراج التجمعات البدوية الموجودة في المنطقة عن طريق ترحيلها وهدم منازلها، تمّ هدم أكثر من 2500 منزل وتهجير 60 ألف مواطن فلسطيني، في وقت تراجع فيه أداء الاقتصاد الفلسطيني بسبب احتلال إسرائيل مساحات كبيرة من المناطق الزراعية، حيث تشكل الزراعة العصب الاقتصادي لسكان مناطق الأغوار، إذ كانت نسبة عالية من قوة العمل تعمل في قطاع الزراعة. ومعلوم أن أراضي الأغوار تتصف بالخصوبة، حيث يتم إنتاج محاصيل في موسم الشتاء لا يمكن إنتاجها في مناطق أخرى من فلسطين، إضافة إلى توفر مصادر مائية مهمة، وخصوصا الينابيع التي تتدفق مياهها من السفوح الجبلية المطلة على منطقة الأغوار.
وقد ازداد الوضع سوءاً بالنسبة للفلسطينيين بسبب سياسات إسرائيل المائية التي أدت إلى سيطرتها بشكل مباشر على 85% من مياه منطقة الأغوار المتوفرة سنوياً، فيما يتحكم الفلسطينيون بـ 15% فقط من حجم المياه، ولا تسمح سلطات الاحتلال بإعطاء تراخيص للفلسطينيين لحفر آبار مهما كان عمقها، بينما تحفر شركة "ميكروت" موزع المياه الإسرائيلي الآبار التي يصل بعضها إلى عمق مائة متر، بغرض تزويد المستوطنات والمزارع التابعة لها بالمياه على مدار العام، وأدّت هذه السياسة إلى تجفيف عشرات الآبار والينابيع المنتشرة في المنطقة بفعل هذه الآبار العميقة.
في تسارع مع الزمن، وبحسب صفقة نتنياهو وبيني غانتس، ستعمل الحكومة الإسرائيلية الجديدة على عملية ضم منطقة الأغوار اعتبارا من يوليو/ تموز المقبل، في تشاورٍ مستمر مع الإدارة الأميركية التي أشارت إلى عدم وجود اعتراضاتٍ لديها، وقد عززّ التوجه الإسرائيلي زيارة وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، إسرائيل الأربعاء في 13 من شهر مايو/ أيار المنصرم، وقد أجرى محادثات بشأن مخطط إسرائيل لضم أجزاء من الضفة الغربية، وخصوصا منطقة الأغوار. ويمكن الجزم بأنه في حال بدأت حكومة نتنياهو رسم جغرافية سياسية، عبر الانطلاق لضم حقيقي لمنطقة الأغوار، بما فيها مدينة أريحا في يوليو/ تموز المقبل، فهذا يعني، بكل تأكيد، إلغاء فكرة حل الدولتين، خصوصا أن غور الأردن يمثل الحدود الشرقية للدولة الفلسطينية التي لم يفض إليها اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) ومفاوضات ماراثونية استمرت أكثر من عقدين.
في مواجهة مخاطر ضم منطقة الأغوار، لا بد من الإسراع إلى إلغاء الاتفاقات المعقودة بين منظمة التحرير ودولة الاحتلال، وتالياً عقد مصالحة وطنية حقيقية لتشمل الكل الفلسطيني، بمن فيهم القوة الصامتة من شخصيات ومؤسسات، ثم الاتفاق على سبل كفاحية جماعية لمواجهة سياسات إسرائيل العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني وأرضه.