تطبيع الإمارات .. ماذا عن المصالحة الفلسطينية؟

15 اغسطس 2020
الصورة

بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب نبأ تطبيع العلاقات بشكل كامل بين الإمارات وإسرائيل، ورفض كل الفصائل الفلسطينية، خطوة أبوظبي، برزت أسئلة حول حقيقة المصالحة الفلسطينية وجديتها وإنهاء الانقسام الفلسطيني، خصوصا أن الحديث تكرر إزاء ذلك، وعقدت اجتماعات لذلك في عدة عواصم ومدن عربية وفي قطاع غزة، وتبين دائما أنها مجـرد إدارة أزمـة، على عكـس مطـالبات الشـعب الفلسـطيني.

في ظل تسارع الخطوات التطبيعية التي توّجت بعلاقات كاملة بين الإمارات وإسرائيل أخيراً، فضلاً عن انحياز إدارة ترامب المطلق لإسرائيل وسياساتها التوسعية الإحلالية ضد الشعب الفلسطيني، بات تشكيل مجلس وطني جامع ولجنة تنفيذية جديدة ضرورة ملحّة ومطلب الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية والشتات لمواجهة التحديات التي تعصف بالقضية الفلسطينية. فمن باب أولى أن تدعو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير بدايةً، المجلس الوطني الحالي إلى الانعقاد، بغية تقديم تقاريرها التنظيمية والمالية والسياسية، بحيث تغطي الفترة 1991- 2020 والتي شهدت انطلاقة مؤتمر مدريد للتسوية، مروراً باتفاقيات إعلان المبادئ (أوسلو) وإنشاء سلطة فلسطينية لم ترق إلى دولةٍ، على الرغم من مفاوضات امتدّت أكثر من عقدين، وصولاً إلى قرارات إدارة ترامب المتتالية للانقضاض على الحقوق الوطنية الفلسطينية بتفاصيلها، القدس، اللاجئين وحق العودة، إقامة الدولة الفلسطينية بالمعنى السيادي للكلمة، وتوّجت بالإعلان عن صفقة ترامب مع نتنياهو.

مصالح وامتيازات تولدت بفعل تداعيات الانقسام تحاول الإبقاء على الجغرافيا السياسية المستحدثة في كل من الضفة والقطاع، ناهيك عن الضغوط الخارجية على الحركتين

لا جدوى من تشكيل مجلس وطني فلسطيني ولجنة تنفيذية لمنظمة التحرير جديدين، من دون عقد مصالحة وطنية وإنهاء الانقسام الفلسطيني، والاتفاق على استراتيجية سياسية كفاحية لمواجهة السياسات الأميركية والإسرائيلية التي تعصف بالقضية الفلسطينية، وخصوصا ما سميت صفقة القرن، بتفاصيلها المختلفة والرامية إلى تصفية القضية الفلسطينية. وهذا يتطلب العمل السربع لترتيب البيت الفلسطيني الداخلي، وفق أولوياتٍ تمليها المصلحة الوطنية، بعد فشل الأجندات الضيقة للأحزاب والفصائل الفلسطينية، وأفول حل الدولتين بعد مفاوضاتٍ بائسة ومديدة بين منظمة التحرير وإسرائيل.

تسارعت وتيرة السياسات الإسرائيلية العنصرية تجاه الشعب الفلسطيني، إثر توضح الانحياز المطلق لإدارة ترامب لإسرائيل، وقد استصدرت إسرائيل، خلال السنوات الأخيرة، حزمةً قراراتٍ من شأنها الإطباق على مدينة القدس. وفي هذا السياق، تفيد تقارير بأن إسرائيل استطاعت السيطرة على 93% من مساحة الجزء الشرفي من القدس المحتل في يونيو/ حزيران 1967، ناهيك عن بناء طوقين من المستوطنات يحيطان بالمدينة من الجهات الأربع، ويقيم فيها نحو 190 ألف مستوطن، وقد تم طرد آلاف المقدسيين بطرق غير مباشرة، بعد قرار تهويد التعليم في المدينة قبل سنوات. وقد جعلت إسرائيل من النشاط الاستيطاني العنوان الأبرز في سياساتها اليومية. ونتيجة مباشرة لحالة الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني، أصبحت مؤشرات البؤس هي السائدة بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، فقد وصلت معدلات البطالة إلى نحو 60% في القطاع، وارتفعت، بعد العدوان الإسرائيلي المستمر بأشكال مختلفة على الشعب الفلسطيني. ونتيجة ذلك، باتت الخيارات التعليمية والصحية ضعيفة، فمن أصل نحو مليوني فلسطيني في قطاع غزة يعيش 60% تحت خط الفقر. وارتفعت معدلات البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة نتيجة تراجع أداء الاقتصاد الفلسطيني، وتدني قيمة المساعدات العربية والدولية للفلسطينيين، ناهيك عن تراجع ميزانية وكالة الغوث (أونروا) أخيرا، حيث يعتمد اللاجئون الفلسطينيون الذين يمثلون 70% من سكان القطاع على مساعداتها المختلفة من صحة وتعليم وحالات العسر الشديد.

لا جدوى من تشكيل مجلس وطني فلسطيني ولجنة تنفيذية لمنظمة التحرير جديدين، من دون عقد مصالحة وطنية وإنهاء الانقسام الفلسطيني

لقد عانى الشعب الفلسطيني منذ 13 عاما من تداعيات الانقسام الحاد بين حركتي فتح وحماس. وعلى الرغم من الحديث المتكرّر عن إنهائه، فإن المتابع بات على يقين من وجود معوقات أساسية، تحول دون هذه المصالحة المنشودة لمواجهة التحدّيات التي تعصف بالقضية الفلسطينية، ومنها محاولة أصحاب مصالح وامتيازات تولدت بفعل تداعيات الانقسام الإبقاء على الجغرافيا السياسية المستحدثة في كل من الضفة والقطاع، ناهيك عن الضغوط الخارجية على الحركتين.

لا يمكن فرملة قطار التطبيع العربي المتسارع مع دولة الاحتلال من دون أن تكتمل دائرة المصالحة الحقيقية بعد إنهاء الانقسام من دون الاتفاق على سبل كفاحية جماعية، فضلاً عن ضرورة انتخاب مجلس وطني فلسطيني، بهدف تفعيل دور حقيقي لمنظمة التحرير ومؤسساتها، التشريعية والتنفيذية والمجتمعية والثقافية والدبلوماسية، وكذلك ضخ دماء جديدة فيها، ومشاركة واسعة من الأغلبية الصامتة من الفلسطينيين؛ ونقصد بالقوة الصامتة الفعاليات السياسية والاقتصادية ومنظمات المجتمع المدني والأكاديميين؛ فهناك طاقات كامنة كبيرة في الشعب الفلسطيني داخل فلسطين التاريخية والشتات يمكن الاستفادة منها عبر تجميع الجهود وتوجيهها لمصلحة القضية الوطنية. وبذلك، يمكن الحديث عن إمكان القيام بدور فعّال لمنظمة التحرير، لجهة حماية المشروع الوطني، ورسم مستقبل الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه؛ وقد يكون ذلك بمثابة جدار متين في مواجهة الرؤى والتصورات الأميركية والإسرائيلية التي تعمل على تغييب الحقوق الوطنية الفلسطينية الثابتة.