في رسائل فيلم إسباني

28 ابريل 2020
الصورة

مشهد من الفيلم الإسباني "المنصة" (vox)

شاهدت أخيرا فيلما سينمائيا إسبانيا مثيرا للجدل والتفكير بشكل كبير، وهو إنتاج هذا العام (2020)، اسمه The platform أو "المنصة". فيلم خيالي يشتمل على نقاط فلسفية عديدة، وفيه أيضا مشاهد مرعبة وعنيفة كثيرة. وهو يحكي فكرة خيالية تثير تساؤلات كثيرة في موضوعات أيديولوجية وسياسية... يبدأ باستيقاظ شخص داخل سجن رأسي، طوابق متتالية في باطن الأرض، في كل دور (أو زنزانة) سجينان فقط، فيها فراشان وفتحة في المنتصف تمر بها منضدة أو منصة عليها وليمة طعام تكفي كل السجناء من الأعلى إلى الأسفل، ولكن يفترض أن عدد الطوابق أو الزنازين يتعدّى 250 على الأقل. ويوجد نظام داخل تلك الحفرة، أو السجن الرأسي، تبديل أماكن السجناء كل شهر بعد تخديرهم، فقد يذهب من يكون في الأعلى إلى طابق متوسط أو سفلي، ومن في الطابق السفلي قد يصعد إلى طابق أعلى. ويفترض القائمون على ذلك السجن أن ذلك هو قمة العدل، ويفترضون كذلك أن يكتفي كل فرد بوجبةٍ واحدة، ويدع الباقي للآخرين، لتكفي المنصة أو الوليمة كل السجناء، بداية من أول طابق حتى الأخير، فلكل فرد وجبة واحدة في المائدة، كما أن كل فرد قد أبلغ السلطات بالأطعمة المفضلة لديه قبل دخوله السجن، ولكن ما يحدث فعليا كان يختلف تماما عن تلك الصورة المثالية، فمن هم في الطوابق الأعلى يأكلون بنهم كبير وجشع وكأنه آخر يوم لهم في الدنيا، وبعضهم يتعمّد إفساد باقي الطعام المخصص للآخرين، ويتجاهل من هم في الأسفل، وكأنه لن يكون في مكانهم يوما ما. وقت الأكل مثبت لكل زنزانة، وغير مسموح بالاحتفاظ بأي طعام، ولو كسرة خبز، بعد انتهاء الوقت، وإلا تعرّض الجميع للعقاب عن طريق زيادة درجة الحرارة في الزنزانة بدرجةٍ لا تحتمل.
تتغير أماكن السجناء ودرجاتهم كل شهر من أعلى وأسفل والعكس، بين الطبقات العليا حيث السيطرة على الطعام والموارد، والطبقات السفلى حيث الغذاء على الفتات وما يجود به من هم في الطبقة العليا. ولكن الجميع يأكل بهمجية، ولا يهتم إلا بنفسه في اللحظة التي يعيشها، على 
الرغم من أنه قد يكون في مستوى أسفل في الشهر المقبل، أما في الأدوار السفلى عندما يشحّ الطعام يبدأ السجناء في أكل لحم بعضهم بعضا حرفيا.
ترى إدارة السجن أنها تفعل ما عليها فعله، فالطعام يكفي كل الأشخاص حسب طلبهم، ويتم تقديمه في أفخم صورةٍ على المائدة قبل نزولها إلى الحفرة، إلى درجة أنه يتم التعامل بصرامة مع الطباخين، لكي تخرج المائدة (أو المنصّة) في أبهى صورها، وغير مسموح بأي تقصير أو إهمال في إعداد المنصة. ترى السلطة أن تنقّل السجناء كل شهر من الأعلى إلى الأسفل والعكس هو قمة العدل، ولكن السجناء هم من يتصرّفون بهمجية ويقتلون بعضهم بعضا، هذا ليس ذنب سلطة السجن.
بطل الفيلم هو باحثٌ أراد خوض التجربة من أجل الحصول على درجةٍ علمية، لكنه لم يكن يتخيل بشاعة التجربة وقسوتها. حاول تغيير تلك المنظومة من الداخل، وإقناع من هم في الأعلى بأنه يمكن أن يكتفوا بنصيبهم فقط ويتركوا باقي الطعام للآخرين، ولكن الجميع سخر منه، وحاول بعضهم إيذاءه، فكيف يحاول تغيير قيم وتقاليد أصبحت راسخة؟ كيف يحاول إقناع من هو أعلى بعدم التهام من هو أسفل؟.. حاول في البداية دعوة من هم في المستويات الأعلى لأن يحافظوا على الطعام من أجل من هم في الأسفل، وأن يكتفي كل فرد بنصيبه فقط،
 ويراعي وجود آخرين بعده، ولكن من هم في الأعلى لم يجدوا ضرورةً في احترام حقوق من هم في الأسفل، ومن هم أسفل منه كذلك لم يجدوا داعيا لاحترام نصيب من هم أسفل منهم، فحاول تقسيم الطعام بنفسه لكي يلتزم الآخرون... أبناء الطبقة الواحدة دائما يأكلون ويظلمون بعضهم بعضا، ولكنهم لا يحاولون لوم من هم في السلطة أو محاولة التغيير من الأعلى.
بعد مرور شهرين، واضطرار بطل الفيلم لأكل جثة رفيقه في الزنزانة الذي كان ينوي أكله أيضا، يتم سجنه مع سجينةٍ جديدةٍ في طابق جديد، ولكنها كانت تعمل في إدارة السجن من قبل. لم تكن تعلم أن الوضع كذلك، لم تكن تدرك ما يحدث في الحفرة من وحشيةٍ وهمجية، تحاول محاولات فاشلة لتنظيم المنصة، وحث الآخرين على احترام النظام، ولكن أحدا لا يستجيب. وفي نهاية المطاف، انتحرت، عندما تم نقلهم إلى طابق سفلي، واضطر بطل الفيلم لأكل جثتها هي أيضا حتى لا يموت من الجوع. وبعد شهر، وجد نفسه في أحد الطوابق العليا مع سجين أفريقي يمتلك قوة جسمانية، فحاولا إقناع كل من هم في الأسفل بتغيير النظام ولم يُجدِ ذلك، فاتفقا على تطبيق تغيير النظام بالقوة، واستخدام القوة البدنية لإجبار الآخرين على كسر التقاليد، أو احترام حق الآخرين وتطبيق ما يشبه الاشتراكية. اتفقا على أن يعتليا المنصة، ويجبرا كل من هم في الطوابق السابقة للطابق الخمسين على ألا يأخذوا نصيبهم من الأكل، وأن يصوموا هذا اليوم، فالطعام يجب أن يصل إلى الطوابق السفلى ولو بالقوة. واتفقا كذلك على إرسال رسالة إلى القائمين على إدارة السجن بأن يكون طبق حلوى لا يتم المساس به وإعادته سليمًا من أجل لفت انتباههم إلى ما يحدث في الأسفل.
لم يكن ذلك سهلا، فقد حاول بعضهم قتلهما والاستحواذ على كل الطعام، وحاول آخرون التهامهما هما شخصيا، على الرغم من محاولتهما مساعدة الآخرين، حتى مات الشاب الأفريقي
 على أثر طعنة، وأصيب بطل الفيلم بإصابة بالغة، والذي فوجئ بوجود طفل صغير في الطوابق السفلى بعد الثلاثمائة، وهو الطفل الذي أنكرت إدارة السجن وجوده، حينما كانت أمه تبحث عنه في كل الطوابق يوميا عدة شهور... وكان إرسال الطفل إلى الأعلى كي يراه الجميع، وتراه إدارة السجن، الرسالة التي أرسلها بطل الفيلم قبل موته.
يثير الفيلم تساؤلات فلسفية عدة، مثل أصل الصراعات، فأصل الصراعات اقتصادي بالأساس، صراع على الطعام والموارد والسيطرة على الثروة. لأجل ذلك تقوم المنافسة السياسية والانقلابات العسكرية والحروب بين الأمم، يتحوّل الصراع على الموارد الاقتصادية إلى صور عديدة، مثل صراعات سياسية أو فكرية أو شخصية، ولكن أصل كل الصراعات هو على الموارد وتوزيعها... ولكن لماذا يتصارع الضحايا مع بعضهم بعضا، ويتجاهلون من يظلمهم جميعا؟ ولماذا يميل من يصل إلى مستويات أعلى إلى ظلم من هو في مرتبة أسفل منه؟ وهل يكون الإنتاج الكافي أو الوفير مجديا إذا كان هناك سوء في التوزيع؟ ولماذا يحاول أصحاب السلطة المحافَظة على نظام اجتماعي ما، حتى لو أثبت فشله وأنه غير عادل؟ ولماذا تبدأ المقاومة الضارية لمحاولات التغيير من الطبقات التي ستستفيد من ذلك التغيير؟ ولماذا تتفانى الطبقات الفقيرة والمهمشة في الحفاظ على النظام الاقتصادي والسياسي الظالم لهم، والذي يتسبب في معاناتهم؟ لماذا يكرهون محاولات التغيير في أغلب الأحوال، ويساعدون في بقاء الأوضاع الظالمة؟
لافتٌ أيضا في الفيلم أن المحاولات الإصلاحية بالنصيحة والإقناع والمناشدة والمطالبة والنصيحة باءت كلها بالفشل، ولم تنجح المحاولة إلا عندما كانت مصحوبة بالقوة بشكل ما، ولولا التقاء بطل الفيلم الذي يمثل الشخص المثقف بالشاب الأفريقي القوي الذي يمثل الطبقات الكادحة أو العاملة لما كانت المحاولة لتنجح، وهو ما يعطي رسالة إلى المشاهد أن التقاء الثقافة والفكر مع الطبقات الكادحة والمساهمة في توعيتها هما القوة الحقيقية، وهما الحل، فالقوي لا يستطيع استغلال قوته بدون الوعي والثقافة والفكر، وكذلك المفكرون والمثقفون لا يستطيعون نشر أفكارهم بدون قوة الجماهير الساعية إلى التغيير والراغبة فيه، فحركة الجماهير بدون نخبة مثقفة لا تؤدي إلى نتائج مرغوبة، وتنظيرات المثقفين تضيع في الرياح، إن لم يكن هناك جماهير تتبناها وتنفذها.

دلالات