في تذكّر "العصفور"

10 مايو 2019
الصورة
+ الخط -
انكتب، بعد وفاة محسنة توفيق، قبل أيام، عن 79 عاما، أنها شاركت في نحو 80 عملا فنيا في السينما والمسرح والتلفزيون والإذاعة. وبدا في كثيرٍ مما انكتب عن الممثلة المصرية، القديرة حقا، كأنها لم تؤدّ سوى دوريْن، بهيّة في فيلم يوسف شاهين "العصفور" (1972)، والأم أنيسة في ثلاثة أجزاء لمسلسل "ليالي الحلمية" (1988 – 1995). وكان المرور على أدوارٍ أخرى للراحلة عَرَضيا وإحصائيا، من دون ما يلزم من إضاءاتٍ على البارز منها. ولعل زميلَنا في "العربي الجديد"، نديم جرجوره، واحدٌ من نادرين في صحافة الفنون والمنوعات العربية، أجادوا في التعريف بأداءٍ عالٍ لمحسنة توفيق في غير ذينك العمليْن. وإذا كان يمكن ردّ المسألة إلى رداءةٍ ظاهرةٍ في هذه الصحافة، فإن في الوسع أن يُضاف إليها أن الفنانة المعروفة، على الرغم من مسيرتها الطويلة، منذ بداياتها في 1962 واحترافها في السينما في 1971، ومع ذيوع اسمها، لم تكن نجمةً، بالمعايير المعهودة في سوق السينما والدراما لهذه الصفة. ولم تكن، هي نفسُها، معنيةً بهذا الأمر، المتّصل، غالبا، باستحقاقاتٍ أخرى، ليس منها بالضرورة إجادة الأداء. 
وأيضا، توازت صورة محسنة توفيق فنانةً صاحبة حضورٍ سياسي، ثوري ومعارض ونقابي وتقدمي، في طليعة المظاهرات والاعتصامات، منذ شبابها الأول وحتى ثورة يناير وعدم تطبيلها لعبد الفتاح السيسي، ونصرتها العراق وفلسطين ولبنان، توازت مع صورة الممثلة الفنانة، فلا تُرى إلا بهما معا. يعزّز هذا الكلام أن التي توفيت أخيرا هي بهيّة، الخياطة التي ينتهي "العصفور" بصيحتها "حنحارب.. حنحارب"، في مسيرةٍ تطالب الرئيس جمال عبد الناصر بالعدول عن تنّحيه، أياما بعد هزيمة 5 يونيو/ حزيران 1967. الدور الذي سوّغ لعديدين أن يروا محسنة توفيق "أيقونةً" مصرية، سيما وأن في شخصيتها في الفيلم، شديد الخصوصية في عمارة يوسف شاهين في السينما المصرية، ترميزا ظاهرا، يأخذك إلى مصر، أو أقلّه إلى النبض الجماهيري فيها، الذي يرفض الاستسلام لمنطق الهزيمة، والممتلئ بالعزيمة. وشاهين الذي نطق فيلمُه بأن سبب الهزيمة لم يكن فقط سوء القتال على الجبهة، وإنما أيضا الفساد النافذ في أجهزة الدولة التي يقيم فيها "لصوص شرعيون"، بحسب ما كان يقول ويكتب الصحافي المتمرّد (صلاح قابيل) في الفيلم.
يسّر حدث وفاة محسنة توفيق، أخيرا، استعاداتٍ وفيرةً، في وسائط التواصل الاجتماعي، لصيحة بهيّة في الفيلم الذي أنجز قبل ستة وأربعين عاما، وكذا الإتيان على قصة منع هذا الفيلم من العرض في مصر، قبل أن تنعطف الساداتيّة إلى الطعن في عبد الناصر وموروثه، ليُجاز تاليا بعد عامين، أي عاما بعد حرب أكتوبر، ما عنى، ربما، أن الأداء المشرّف للجيش المصري في تلك الحرب، معطوفا على قرار خوض الحرب نفسه، هما ما أجازا عرض الفيلم الذي يطير، في مشهدٍ أخيرٍ فيه، عصفورٌ من قفصه، في إيحاءٍ إلى تطلعٍ إلى حريةٍ واجبة، لكي لا تصير الهزيمة. وقد سُمعت في الفيلم أغنية الشيخ إمام عن بهيّة، ومغازي الأغنية، الذائعة تاليا، عن مصر معلومةٌ وشهيرة. وبإيقاعاتٍ شاهينيةٍ حاذقة، جاء "العصفور" عملا سينمائيا عالي الصنعة في لملمة خطوطه ومتوزايات حكاياته، وأحوال شخصياته، ومنهم ضابط الشرطة الابن غير الشرعي، والخياطة بهيّة المحبة للناس، وابنتها، والصحافي الشجاع، والأزهري المعمّم والمتحرّر المسكون بالانتقام، والفاسدون النافذون، والصامتون، والشبان والشابات الساخطون على أحوالٍ في مصر لا تسرّ، قال يوسف شاهين، ومعه لطفي الخولي، شريكُه في كتابة القصة والسيناريو، إنها ساقت إلى الهزيمة المشهودة ذلك الصيف الكئيب.
يسأل الجندي (محمود قابيل)، شقيق ضابط الشرطة، في واحدٍ من مشاهد "العصفور"، عندما يصل إلى الجبهة في سيناء، مندهشا: "ليه كده سيبناها صحرا، كأنها بلد تانية؟". وهذا واحدٌ من أسئلةٍ كثيرة، ملحّة، باقية منذ بثّها يوسف شاهين ولطفي الخولي، قبل أكثر من أربعة عقود، في فيلمٍ وقائعُه راهنة، اسمه "العصفور"، فاللصوص الشرعيون حاكمون في مصر، والفساد نافذ وثقيل، والهزائم لا تتوقف... وفي الأثناء، تلوّح محسنة توفيق، معترضة، وبصوت بهيّة، تقول وداعا.