في التمهيديات الانتخابية الفرنسية

في التمهيديات الانتخابية الفرنسية

31 يناير 2017
الصورة

هامون وفالس عند إعلان نتائج تمهيدية اليمين (29/1/2017/فرانس برس)

+ الخط -
ذهب ناخبو "شعب اليسار" في فرنسا مجدّدا، يوم الأحد الماضي، للمشاركة في الدور الثاني من "الانتخابات التمهيدية المواطنة" الخاصة باختيار مرشح اليسار في الاقتراع الرئاسي المنتظر في الربيع المقبل، والتي تنافس في دورها الأول ستة مرشحين ومرشحة ينتمون إلى الحزب الاشتراكي أساساً، وإلى بعض تنظيمات اليسار والحساسيات البيئية المتحالفة في إطار الإئتلاف الشعبي.
وقبل ذلك بأسابيع، كانت قد جرت تمهيديات خاصة باليمين والوسط، أفضت، في دورها أخيراً، إلى اختيار الوزير الأول (رئيس الوزراء) الفرنسي السابق، فرانسوا فيون، مرشحاً باسم اليمين الجمهوري للانتخابات الرئاسية. وبذلك يتكرّس تقليد "الانتخابات التمهيدية" داخل الممارسة السياسية الفرنسية، إذ بعد أن انطلق، في البداية، داخل الحزب الاشتراكي، اجتهاداً يسارياً خالصاً، سينتقل إلى معسكر اليمين، ممثلا في حزب الجمهوريين الذي استطاع إنجاح استحقاقه أخيراً على كل المستويات، بما في ذلك أساسا مستوى الأداء السياسي ودرجة الإقبال الجماهيري.
يتعلق الأمر، في الواقع، بتمرينٍ تنظيميٍّ وسياسيٍّ وإعلاميٍّ ضخم، يتطلب إعدادا لوجستيكيا وماديا وبشريا، وتعبئة "جيشٍ" من المناضلين والمتطوعين، وسلسلة من مكاتب التصويت، وتأطيرا قانونيا وسياسيا يعهد، في الغالب، إلى هيئة عليا، تتولى صلاحيات الإشراف والبت في الترشيحات وإعلانها، والتحكيم بين المرشحين، وصولا إلى إعلان النتائج النهائية.
الميزة الأساسية لهذا التمرين الحزبي هي بالضبط انفتاحه على عموم المواطنين الفرنسيين، من دون الاقتصار على أعضاء الحزب، أو الأحزاب المنخرطة في مشروع الانتخابات التمهيدية، ذلك أن كل ما يطلب من الراغبين في المشاركة هو التوقيع على وثيقة إعلان الالتزام بالقيم للمرجعية لليمين أو لليسار (حسب الحالة)، مع أداء واجب مالي رمزي (حدّد بمبلغ 2 يورو في تمهيديات اليمين والوسط، ويورو واحد في تمهيديات اليسار).

ويذهب محللون كثيرون إلى حد اعتبار أن هذه التجربة الجديدة ستكون ذات آثار بالغة ومهيكلة على النظام السياسي للجمهورية الفرنسية الخامسة، ذلك أن الانتخابات التمهيدية قد تصبح مع تواتر تجاربها، على الرغم من عدم انتظامها ضمن الهندسة الانتخابية الرسمية، حلقة محددة لمسار اختيار رئيس فرنسا.
وإذا كانت هذه الانتخابات تعتبر تمرينا على الديمقراطية الداخلية، باعتبارها شكلاً حضارياً لتدبير التنافس والطموحات، بل وعلى" الديمقراطية المواطنة" باعتبارها تكريساً لفعل المشاركة المجتمعية في القرار الحزبي، فإنها، في المقابل، قد تعبّر عن أزمة قيادةٍ تعرفها الأحزاب السياسية الفرنسية، خصوصاً التقليدية منها، ذلك أن التباري على الترشيح للاقتراع الرئاسي قد يعني كذلك عجزا في الفرز الطبيعي والتلقائي للقيادات السياسية، كما قد يعني، بالضرورة، أزمة شرعيةٍ للقيادات المنتخبة في المؤتمرات العادية للأحزاب.
أبعد من هذا التحليل، قليلا، يذهب بعضهم إلى أن هذه الانتخابات التمهيدية تخفي، في الواقع، أزمة أعمق، ليست سوى أزمة الأحزاب نفسها، حيث لم تعد الأخيرة قادرةً على التعبير عن الحيوية السياسية للمجتمع، وهي الحيوية التي أصبحت قادرةً على إنتاج ديناميتها خارج الحدود التنظيمية للأحزاب السياسية، وهو ما تعكسه قوة بعض الترشيحات المحسوبة على الصف التقدمي، كما الحال بالنسبة لكل من ميلونشون وماكرون، وهي الترشيحات التي تَحقق حولها التفاف كبير لقطاعات واسعة من الرأي العام، على الرغم من أنها لا تستند إلى الخلفية الداعمة للحزب الاشتراكي مثلاً.
ومن الواضح أنه، في مواجهة رهان وحدة كتلة اليسار، شرطاً لحضور صوت اليسار في الدور الثاني لرئاسيات مايو/ أيار 2017، سنعيش تبادلا للحجج بين الفائز في الانتخابات التمهيدية لليسار، والذي سيتمسك بخطاب الشرعية "الانتخابية" القائم على عدد الناخبين المشاركين في هذه الانتخابات، وبين أنصار كل من ميلونشون وماكرون، والذين سيتمسكون بخطاب شرعية "الرأي العام" المعبّر عنها من خلال نتائج الاستطلاعات حول نيات التصويت خلال الانتخابات الرئاسية.
عموماً، تشكل الانتخابات التمهيدية ظاهرة سياسية حقيقية، حيث الآراء حولها تتوزع بين من يعتبرها انفتاحا للسياسة على المواطنين وإنهاءً لحقبة "احتكار" السياسة من طرفٍ بنى حزبية تقليدية ومغلقة ومن يعتبرها شكلاً آخر من أشكال تسطيح التنافس السياسي المبني (افتراضا) على البرامج والعمق، وانتصارا جديدا لثقافة الفرجة، حيث الصورة تعوّض الأفكار، ووسائل الإعلام تعوّض الأحزاب السياسية، وخبراء شركات التواصل يعوّضون مثقفي الحزب ومنظّريه و"إيديولوجيّيه" ، والمستهلك يعوّض المواطن، لكي يعوّض" النجم" في الأخير "الزعيم".