في أنّ ناقداً يُصاب بمَللٍ

05 ابريل 2019
الصورة
صالات فراغ وملل (فيسبوك)
أيُصيب الملل ناقدًا مهتمًّا بجعل وظيفته فعل ابتكار لنصٍ مواز للبصريّ؟ أيُصيبه الملل إزاء وظيفته تلك، واجتهاده كي يُخرج نصّه من روتين يوميّ لن يؤدّي إلى ما يصبو الناقد إليه؟ وإزاء عيشٍ ولقاء وتفاصيل؟ 

الملل. مفردة قاسية، لكنها تقترب كثيرًا من مزاجٍ فرديّ، فالناقد فردًا له انفعالات ومشاعر، والملل شعورٌ منبثق من حالة انهيار كبيرٍ تحاصر يومياته في مدينة الشقاء والخراب. مفردة تعكس شيئًا من حقيقةٍ تقول ما يراه الناقد في صالة سينما وصناعة أفلام وثقافة مُشاهدة وخارجها، وداخل بلد واجتماع يُقيم فيهما، ومع أناس يعيشون في الحيّز الجغرافي الاجتماعي نفسه. هذا وحده كافٍ لنشوء الملل، فالبلد فاسد، والمجتمع مريض، والغالبية الساحقة من أولئك المُقيمين فيهما مستسلمة لمتاهة الانبطاح أمام زعيم يُمثِّل طائفة، وأمام طائفة تفرض شروطها وقوانينها، فتُصاب أفلامٌ كثيرة أيضًا بما تفرضه الطائفة، كالمنع والرفض والإقصاء، وأسباب ذلك كثيرة، وإنْ يستحيل الاقتناع بها.

أيُصيب الملل ناقدًا يريد مُشاهدة سينمائية معزولة عن جماعة، وإنْ تبدو الجماعة معنيّة هي أيضًا بمشاهدة كهذه؟ والجماعة، المنجذبة إلى السينما وثقافتها وطقوسها، لن تحتفظ بشرط المُشاهدة أحيانًا، كجماعات ذاهبة إلى صالات سينمائية كأنها قادمة إلى احتفالاتٍ لا علاقة لها بفنٍّ أو بصورة متحركة أو بجماليات تعكس بشاعة العالم وبؤس العيش، وها هي جماعات كتلك تؤكّد كم أن العالم بشع، وكم أن العيش بائس، طالما أن هناك جماعات كتلك تُقيم هنا وهناك.

والعالم مفتوح على انهيارات شتّى. والبلد معقود على موتٍ يرتاح إلى إقامته في بلدٍ لن يتحرّك ناسه لمواجهة الموت وغلبته. الفراغ قاسٍ هو أيضًا، فهو أصل الملل، أو أحد أصوله. المأزق كامنٌ في أن رغبةً، وإنْ تكن عابرة أحيانًا، في مشاركة آخرين فعل مُشاهدة سينمائية في صالة سينمائية، تكشف سريعًا خطأ المُشاركة وصحّة العزلة. هذا كلّه يُساهم في صناعة الملل، والملل حالة عصيّة على التخلّص منها سريعًا.



لكن، أيُعقل أن يبلغ ناقدٌ حالة كهذه؟ أيُعقل أن تفشل السينما في إثارة حماسة تحرّض في السابق ناقدًا على اكتشاف مُتَع، وإنْ تخرج المُتع من قلب الظلام الذي تعكسه أفلامٌ وصالات؟ أيُعقل أن يمتصّ الملل كلّ إثارة جميلة تفقد، يومًا تلو آخر، نتفًا من جمالها، فتعطب رغبةَ ناقدٍ في عيشٍ وسلوكٍ يريدهما، لكنه يفقدهما يومًا تلو آخر؟ أيُعقل أن تتقلّص حماسة حضور مهرجانات، بعضها مصنّفٌ فئة أولى، وفي هذا البعض لذّة معرفة نتاجٍ جديد قبل أن يعرفه كثيرون؟ أيُعقل أن يُصاب فرحُ الكتابة والتعليق والمناكفة بانكسارٍ وخيبة، بل بملل الكتابة والتعليق والمناكفة؟

الملل. مفردة قاسية كقسوة مفردة ثانية تقول فراغًا يُحيط عيشًا داخل صالة سينمائية وخارجها. "العالم من حولنا يتداعى يا روكي"، وهذا فظيع وحادّ، خصوصًا أن كثيرين يكتفون بمُشاهدة تداعيه، كأنهم في صالة مضيئة بفراغ الحياة، وملل المُشاهدة.

دلالات

تعليق: