فيلم "الرئيس والكلب"

01 نوفمبر 2019
الصورة

صورة للكلب المشارك بقتل البغدادي نشرها ترامب في "تويتر"

+ الخط -
ما هو الخط الفاصل بين الخيال والواقع في صناعة الأحداث الأميركية؟ هل تلهم "هوليوود" البيت الأبيض، أم أن البيت الأبيض وحي لـ"هوليوود"؟ أم أن العالم كله صار مسرحاً لتصوير أفلام الواقع والخيال الأميركية؟ أسئلة تتشابك وتقفز عند الاستماع لتفاصيل يرويها الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن عملية قتل زعيم دولة "داعش"، أبو بكر البغدادي. ليس في رواية ترامب حقائق ومعلومات كثيرة، وفيها كثير من الإثارة والتشويق والغموض الذي يحاكي أفلام هوليوود. في الرواية شخوص كثر، لعبوا أدواراً متفاوتة في عملية معقدة أفضت الى انتحار "شرّير" في مشهد درامي دام. وصف المخرج ترامب مشاهد الفيلم، قائلاً إن البغدادي مات "وهو يصرخ ويصرخ بعد أن ركض داخل نفق مسدود، وهو يبكي ويصرخ طوال الطريق". لم تخل الرواية التي قدّمها ترامب، بوصفه "القائد الأعلى"، من استعراض لبطولة أميركية نراها في أفلام هوليوود، عندما يُجهز البطل على حشود من الأشرار بمسدسٍ لا تنضب حشوته. 
طبعا لم يفت ترامب، المولع منذ صغره بتلفزيون الواقع، توليف دور بطولي لنفسه في سيناريو تصفية أبو بكر البغدادي، فقد روى الأحداث وكأنه كان على رأس الكوماندوس الذي نفّذ العملية. يقول ترامب حرفياً: "كنا في المجمع ساعتين تقريباً، وأخذنا مواد ومعلومات فائقة الحساسية من الغارة بعد الانتهاء من المهمة". ومهر ترامب العملية باسمه بوصفه "القائد الأعلى" الذي أعطى الأوامر لتخليص "العالم من قاتل وحشي".
أما دور البطولة المساعد فقد أسنده الرئيس للكلب، وفي ذلك محاكاة لأفلام أميركيةٍ كثيرةٍ تمجّد الكلب بوصفه منقذاً للحياة أو بطلاً استثنائياً. تحفّظ ترامب على سرّية اسم كلب وصفه بـ"الجميل واللطيف والموهوب"، واكتفى بنشر صورته في تغريدة. أضاف ترامب بعض الدراما إلى المشهد، بقوله إن الكلب أصيب بجروح طفيفة في الغارة. كرّم الرئيس الكلب، بنشر صورته منتصب القامة بكامل لباس الميدان. تحدّث ترامب عن مناقب الكلب "الذي قام بمهمةٍ عظيمة"، بما يُرشحه، بعد التقاعد، لدور البطولة في فيلم "ليلة قتل البغدادي"، ربما باشر أحدُهم بتصويره في "هوليوود" فعلاً. لم يكشف الرئيس ورئيس هيئة الأركان، الجنرال مارك ميلي، اسم الكلب الجريح، حفاظاً على حياته، لأنه لا يزال في مسرح العمليات، يطارد فلول "داعش".
أما دور الكومبارس في فيلم "ترامب والبغدادي" فقد أُسند لمنشقٍّ، زوّد المخابرات الأميركية بالمعلومات عن مكان البغدادي. لن يكشف ترامب ومساعدوه السرّية عن اسمه أو صورته، أم أنه سيظل كومبارس صامتاً في خلفية المشهد. لم يتحدّث الرئيس عن أي دور بطولي لأي شخصٍ أجنبي، أو لأي جهةٍ غير أميركية اشتركت في التخلص من عملية تصفية البغدادي. تظهر شخصية الأجنبي فقط في دور منشقٍّ محلي، باع البغدادي بـ25 مليون دولار، مبلغ المكافأة المرصودة مقابل رأس البغدادي. سيتوارى الكومبارس المجهول بعيداً عن الأنظار والأضواء، وربما يموت من دون أن ينال شهرة كلب.
لا ندري بماذا سيحكم نقاد السينما على إخراج الرئيس ترامب مشاهد فيلم تصفية زعيم "داعش"، لا سيما أن الرواية تعاني من هفواتٍ وثغرات. بالتأكيد لن يتوقف الرئيس ترامب عند الانتقادات الموجهة إلى مبالغته في سرد الرواية. ولن يكترث بمن يُكذّب سيناريو أخذ فيه دور "رامبو". المهم بالنسبة للرئيس أنه أخرج فيلماً لا يقل إثارةً عن فيلمٍ أخرجه خصمُه اللدود باراك أوباما في العام 2011، عندما ظهر في مشهدٍ مشابه، ليعلن التخلص من أسامة بن لادن، مع تشابه كبير في تفاصيل الفيلمين. يبدو أن سُنّة إنتاج أفلام الخلاص من "المطلوب الأول في العالم" ستكون على جدول أعمال كل رئيس أميركي يطمح لولاية ثانية. سُنّة بدأها الرئيس الأميركي الأسبق، جورج بوش الابن، في العام 2003، يوم ظهر في مشهد درامي استعراضي ليروي مشاهد من فيلم "الفجر الأحمر"، وليلة القبض على الرئيس العراقي الراحل، صدّام حسين.