فهم الدين

فهم الدين

14 ديسمبر 2016
+ الخط -
تحتفل البلاد الإسلامية، في هذه الأيام، بمولد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو الذي ولد في 12 من شهر ربيع الأول، بعد حادثة الفيل بخمسين يوماً.
وترافق الاحتفال النبوي تقاليد إسلامية عديدة أصبحت جزءاً من التراث الإسلامي، من أبرزها، ذكر مناقب النبي الأمين، والوقوف على أخلاقه الحميدة، والخصال الطيبة التي عُرف بها، بالإضافة إلى توزيع الحلوى، وانتشار الفوانيس في الشوارع وعلى شرفات البيوت.
ولا يخلو المولد النبوي المبارك أيضاً في كلِّ عامٍ من الخطب الرنانة التي يتحفنا بها أصحاب "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وهي خطبٌ مدججة بكثير من الوعظ والإرشاد والنصائح التي لا يتعدّى تأثيرها باب المسجد، ففي وقتٍ يخرج أخونا في لله من بيت لله، يضع ما سمعه وراء ظهره، كأنّه لم يسمع شيئاً.
متى يعي المتدينون أنّ هذا الأسلوب عفا عليه الزمن، ولم يعد يجدي نفعاً مع أُناسٍ يعيشون في القرن الواحد والعشرين (وهنا أستثني الذين يعيشون بيننا بأجسادهم فقط، لكن عقولهم تعود إلى عصورٍ غابرة)، ومتى يكفون عن ترديد قضايا أصبحت مستهلكةً إلى درجةٍ مقزّزة، ومتى يعلمون أنّ في سيرة النبي محمد والرسالة التي جاء بها أموراً عظيمة غير الأحلام الوردية التي يتغنون بها بعودة الأيام الخوالي، لا لشيء وإنّما حتى يمسكون زمام التشريع من ألفهِ إلى يائه، ويجعلون حتى "شمّة الهوا" حرام، ورجسٌ من عمل الشيطان!
أدعو الذين يقودون المنابر إلى دراسة سيرة الأنبياء القدامى، فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد كانوا ثواراً يتبعهم الفقراء والمساكين من أبناء الشعب المظلوم، وهم ثاروا على كلِّ أنواع الظلم والعبودية و(الجهل الديني) والعادات والتقاليد السيئة.
لا أستغرب من أنّ كثيرين لا يتطرّقون إلى هذه المفارقة، لأنّهم حولوا الدين من خلال الخطاب الذي يعتمدون عليه إلى دينٍّ يدعو إلى الخضوع والاستسلام لتحقيق مصالح شخصية ضيقة، وهم بذلك ينسفون رسالة محمد الثورية نسفاً، وهنا يطرح السؤال: ما قيمة الطقوس والخطب والكلام الذي يقال في المولد النبي من قبلهم؟
وبدا الاستسلام منتشراً بعد أن زرعه بعضهم في عقول أتباعهم، فعبارات مثل "قسمة ونصيب"، وهذا "قضاء الله وقدره"، والذي "مكتوب على الجبين تراه العين"، إلى آخره.
ولكن، يجب أن نفرّق بين الدين ومن فهموه وفق رغباتهم وأهوائهم ومصالحهم الشخصية. الثورة نزعة أصلية من نزعات كلّ الأديان السماوية، وكلّ من يتفوّه بغير ذلك فهو لا يريد لدينه خيراً.
يعتقد بعضهم أنّ الديمقراطية اخترعت اختراعاً في الدول الحديثة، أو أنّ جيناتهم الوراثية تجعلهم قادرين على الإبداع وصنع الحضارة، كما ظن بعضهم في الجنس الهندآري (أيّ الهندي الأوروبي).
إلا أنّ الحقيقة تقول إنّهم وصلوا إلى ما وصلوا إليه جرّاء المعارك الطاحنة التي قامت بها الشعوب في وجوه حكامهم المستبدين، وهي نزعةٌ ثورية من نزعات المجتمع المتمدن، كما يقول علي الوردي رحمه الله. ولكن، ليس من مصلحة أولئك تنمية الحس الثوري لدى العامة، فهم مستفيدون أكبر استفادة من الحكام، فيعتاشون على الرواتب التي يمنحوها لهم، وعلى الهبات والهدايا التي تُرسل "من تحت الطاولة"، وهذا الثمن ندفعه بسبب تداخل الدين في السياسة أو العكس.
الطامة الكبرى تكمن في أن كلّ من يُريد قيادة شعلة التنوير والتحرّر العقلي من الأمراض التي ينشرونها، يُتهم بأنه زنديقٌ وخارج عن الملّة، وكافرٌ وفاجرٌ، ويرفعون أيديهم إلى السماء راجين الله عزّ وجل أن يحشره في نار جهنم وبئس المصير، والرعية تردّد وراءهم: آمين!
5ADE5A47-E143-4BFB-9A04-F3543E66FC8B
بشير الكبيسي (العراق)