رحلة العقل واللاعقل

27 اغسطس 2018
+ الخط -
أول فيلسوفٍ عرفته البشريّة هو طاليس (624 – 546 ق.م)، وصرّح إنّ الماء هو الهيولا، أيّ الأصل أو العلة الأولى في وجود الكون. ربمّا نرى الآن هذا الاستنتاج تافهاً، ويجب أنّ لا يصدر من فيلسوفٍ حكيم. ولكن أهميةَ طاليس تتجسّد بأنه وضع حدّا للتفكير الأسطوريّ الذي دأب على تفسير السرديات الكبرى، بناءً على قصصٍ خياليّة، وحاول تفسير الكون، وفقاً لمنطق العقل البشريّ.
يدرك دارس الفلسفة أهمية الفلاسفة اليونانيين، فيُحسَب أنهم وضعوا أسس معظم العلوم والمعارف، وتحديدا، الآباء الثلاثة؛ سقراط؛ أفلاطون؛ وأرسطو. ولا يخفى أنّ الفلسفة الأوروبيّة، سواء القروسطية أو الحديثة، قد تأثرت بهم أيما تأثر. ولو أردنا أنّ نحددَ مَزِيّةً يشترك بها الآباء الثلاثة لقلنا: إنهم فلاسفة عقلانيون، أعلوا من شأن العقل البشريّ، فهو الوسيلة الوحيدة التي يصل الإنسان بواسطتها إلى الحقيقة.
ثمّة قواسم تشترك بها الكائنات الحيّة كلّها، أيّ النباتات والحيوانات والبشر. الميزة الأولى، أنّ لها القدرة على تغذية نفسها بنفسها. ولكن ما يميّز الحيوانات عن النباتات هو الإحساس، كالإحساس بالجوع أو بالألم. أما ما يميّز البشر عن الكائنات الحيّة الأخرى هو العقل، أيّ القدرة على التفكير والتدبر.
لذا فمُذْ استقر الفعل الإنسانيّ، وابْتدأ الإنسان بتَشْيِيد حضارته، تاركاً حياة الصيد والترحال، اصطدم بمَشَقّة اكتشاف هذا الكون المُتَرامِي الأَطراف، وتَوَكَأ الإنسان في محاولاته الأولى على التفسير الأسطوريّ، الذي ادّعى أنّ هناك قوىً خفية تتحكم بهذا العالم، لحين وضع الفلاسفة اليونانيون حداً لذلك، معلنين، في الوقت نفسه، عن تدشينِ مشروعِ فلسفيٍّ يستند على العقل. والملاحظ أنّ العلاقة بين تطور حياة الإنسان ونُضْج عقله كانت طرديّة.
قلنا إنّ الإنسان اخْتَصّ عن الكائنات الحيّة الأخرى بسُّلطة العقل، إلا أنّ هناك سلطاتٍ أخرى تزاحم سُّلطة العقل، على تفسير الكون والسيطرة على العقل البشريّ، ومنها الأساطير والأديان. فلكلِّ سُّلطةٍ منطقٌ مختلف تخاطب به المؤمنين بمنطقها.
مَنْ يُمعن النظر بالتاريخ يلاحظ أنّ العقل البشريّ عرف محطات انكسار وفي ظروفٍ أخرى محطات انتصار. سجلت الحقبة اليونانيّة انتصاراً ساحقاً للعقلِ والمنطق على حساب الأسطورة والماورائيات، فتَجَرّع سقراط للسم دفاعاً عن أفكاره وفلسفته على الرغم من أنّ الجبابرة عرضوا عليه المغفرة لقاء تخلّيه عمّا نظّر إليه، ولكنه لو استسلم لما كان سقراط، فانتصر في آنٍ واحد لنفسه وللعقل أيضاً.
غير أنّ هيمنة العقل انتكست انتكاساً كبيراً خلال العصور الوسطى، نتيجة إعلان قسطنطين العظيم (272 – 337م)، الإمبراطور الرومانيّ، مرسوم ميلانو سنة 313م الذي يقضي بإضفاء الشرعيّة على العبادة والشعائر المسيحيّة، ومنذ العام 380م أصبحت المسيحيّة دين الإمبراطوريّة الرسمي.
القرون الوسطى هو الاسم الذي أطلق على المسافة الزمنية الطويلة (ألف عام) الفاصلة بين مرحلتين، بين العصور القديمة وبين عصر النهضة. ولم تكن سوى ليلاً طويلاً دَاكِناً خَيّم على أوروبا الجهل والظلام، ولا يزال تعبير "وسطي" يستعمل في أوروبا للتعبير عن كل ما يعتبر تسلطيّاً ومتخلفاً، إذ ساد في تلك الفترة الزمنية، تيارٌ حاول التوفيق بين العقلِ والإيمان المطلق، وكان من الصعب التمييز بين الفلسفة واللاهوت. وهناك فيلسوفان يُجز فكرهما ما كان شائعاً في تلك الحقبة، وهما: أوغسطينوس وتوما الأكويني. فالأول لم يكن يرى أيّ تناقض بين المسيحيّة وفلسفة أفلاطون، بل كان يجد قرابة كبيرة بين فلسفة أفلاطون وتعاليم المسيح، إنه "نصّر" إفلاطون. أما الفيلسوف الثاني، فحاول هو الآخر بأن "ينصّر" المعلم الأول، أيّ أرسطو. والنتيجة كانت أنّ العقل قد قَضَى نَحْبَهُ، والدِّين قد التوى.
بعد سنوات من وفاة القديس توما الأكويني، ومَصْرَع تياره التوفيقيّ، تصدعت الثقافة المسيحيّة، وأخذت الفلسفة والعلوم في الانفصال التدريجي عن اللاهوت الكنسي، ورأينا بروز عصر ومنهج علمي جديدين يرتكزان على العقل وينطلقان مِن الإنسان، بعد أنّ كانت الفلسفة القروسطيّة تنظر إلى كل عمل وكل حياة على ضوء "الله". إنه عصر النهضة والإصلاح الذي بدأ مُذْ نهاية القرن الرابع عشر في شمالي إيطالي ثم انتشر واستمر حتى القرن السادس عشر.
لم يكتفِ فلاسفة النهضة، وحتى فلاسفة التنوير، بالإنقلاب على منطق القروسطيين، بل انقلبوا حتى على منطق القدماء، وشككوا بالعقل المجرد، ونادوا بإخضاع كلِّ شيءٍ للحسِّ أولاً، ومِن ثم إلى التجربة، ويجيء بعد ذلك العقل البشريّ حتى ينظم ويرتب، وهذا ما نسميه بالمنهج التجريبيّ الذي ظلّ سائداً حتى يومنا هذا، وحقّق البشر بواسطته ما لم يحقّقه القدامى على مدار آلاف السنين.
يقول المنطق: لا دجاجة بدون بيض ولا بيض بدون دجاجة. وكذلك يتوجب القول: إنّ لا حداثة بدون علم، ولا علم بدون حداثة. ونقصد هنا العلم القائم على المنطق والعقل النقديّ.
5ADE5A47-E143-4BFB-9A04-F3543E66FC8B
بشير الكبيسي (العراق)