نكون أو لا نكون

05 يونيو 2017
+ الخط -
يواجه العربُ منذُ عُقُودٍ تحدّياتٍ مصيريّة، راح ضحيَّتها مئات آلاف الأبرياء الذين لم يقْترفوا أيَّ ذنْبٍ يُذكر، سوى أنّهم خُلِقُوا عرباً، ووُجِدُوا في هذه البقعة المُتأزّمة.
العراقُ جزءٌ من هذه الدّوامة، فهو عانى وما زال يعاني، وسيبقى الحال على ما هو عليه طالما لم يواجه القضايا المصيريّة، التي إذا ما تَمَّ حسمها بإرادةٍ صادقة نحو التغيير الحقيقيّ، ستنفرج الأوضاع، وسيعودُ العراق كما عهدناه شامخاً ومنارةً للعلمِ والفكرِ والتَّقدُّم.
مِن القضايا الرئيسة التي يجبُ على العراقيين حَسْمُها، حتى لا يستمر نزيف الدّماء، التَّحَوُّط حَوْلَ الهويّة الوطنيّة الجامعة، وإزاحة كُلّ الهويّات الضَّيِّقة جانباً، وهذا لنْ يتحقَّقَ إلا بحُكْمٍ مدنيٍّ وعلمانيٍّ، أيّ دولة قانونٍ لا دولةَ "عصابات ومحاصصات"، أيّ دولةِ عدلٍ ومساواة لا دولةِ ظلمٍ وقهر.
قطع العالم المُتَقَدِّم شوْطاً كبيراً في هذا المجال، غير أنْ الذي يجلب المرارة، إنّ أوروبا حسمت هذه القضايا منذ قرون، وكان ذلك سرُّ تَقَدُّمها وتَطَوُّرها في مختلفِ الأصعدة والمجالات، وهذا لم يكن من قبيْل الصُّدفة، بل حدث نتاج ثورةٍ فِكريّةٍ بعد سنواتٍ من الاقتتال الطَّائفيّ والمذهبيّ والانحطاط الأخلاقيّ في القرون الوسطى، وهذا ما نَمُرُّ به تماماً نحن العراقيين في القرن الواحد والعشرين!
يُعدُّ كتاب الفيلسوف الإنكليزي، جون لوك، "في الحكم المدني"، من الكتب المؤسّسة للقيم الأوروبيّة، وللسياسات الليبراليّة التي تقوم في جوهرها على مبدأ الحريّة، بما في ذلك الحُريّات المدنيّة والسياسيّة، والوقوف على مسافةٍ واحدة من جميع المواطنين، مهما كان دينهم أو طائفتهم أو مذهبهم أو عرقهم أو لوّنهم أو مكانتهم الاجتماعيّة، والمرجع الذي تحتكم إليه الدولة في الفصل بين النّاس هو "القانون" حصراً، لا الإنتماءات الضَّيِّقة.
وعندما نتحدّث عن حكمٍ مدنيّ، نحن نتحدّث، في الوقت نفسه، عن حكمٍ علمانيّ، لأنّ من الاستحالة بمكان أن يكون الحكم مدنيّاً من دون أن يكون علمانيّاً، فكيف تكون الدولة دولةَ قانونٍ وعدلٍ ومساواة، إذا لم تقف على مسافةٍ واحدة من كُلّ الأديان والمعتقدات، وإذا لم تفصل بين الدنيويّ والأخرويّ، وإذا لم تتخلَ عن الهرطقات والخزعبلات، والأقاويل التي عفى عليها الزمن.
عربيّاً، اتخذت العلمانيّة مساريْن خاطئيْن، يدّعي الأول أنّ العلمانيّة توجُّهٌ فكريٌّ معاد للدّين، يدعو إلى الفساد والتَّفسُّخ الاجتماعيّ، ويكون الصِّراع هنا بين المُتديّنين وغير المُتديّنين، والثاني يتبنَّاه الذين يّعُدُّون أنفسهم "علمانيُّين"، ويقوم على معاداة المُتديّنين الذين يقفون إلى جانب السُّلطة، ويكون الصراع هنا على المصالح والامتيازات، وكلا المساريْن لا يرتبطانِ بالعلمانيّة الحقيقيّة بصلة.
غير أن ما يحتاجه العراق والعراقيُّون العلمانيّة التي تعني حياد الدولة إزاء مختلف الأديان والطَّوائف والمذاهب والعقائد، وعدم تسيس الدّين، خدمةً لهذه الفئة أو تلك، بل إتاحة البيئة المناسبة والحاضنة للكفاءات الوطنيّة، ودعمها لتقود مسيرة التَّقدًّم والخلاص ممّا نعانيه، نحن العراقيين، من تمزُّقٍ ودمارٍ وفسادٍ وانحطاط.
أعلم أنّ هذه السرديات الكبرى ستبقى حبراً على ورق، مهما كتبْنا، ومهما بُحْ صوتنا، إذا ما تَمَّ توعية العامّة، والعمل على تنويرها وإخراجها من ظلمات الهرطقة والمهرطقين، ولكن هذا لن يتحقَّقَ أيضاً، ما لم يحصّل العامّة على حاجّاتهم الأساسيّة في الحياة، وبعد ذلك يكون بالإمكان مخاطبتهم بهذه السرديات "الطوباوية" كما يعتقدون ويُقرُّ بعضهم الآن.
تخبرنا عجلة التَّاريخ بأنَّ الاقتتال الطَّائفيّ والحروب والصراعات ستنتهي، شِئْنَا أم أَبِينَا، فالحرب الأهليَّة اللبنانيَّة استمرَّت خمسة عشر عاماً، وفي النّهاية اضْطرَّ اللبنانيَّون للجلوس على طاولةٍ مستديرة، للتَّفاوض على تسوياتٍ تُرضي الأطراف المتصارعة. ولكن، بعد ماذا؟ بعد أن راح عشرات آلاف الضَّحايا وبعد الدمار والخراب وتفشّي الحقد والكراهية.
القضيّةُ الأهم، في هذا الصدد، أنّ بعد انتهاء ما يجري في العراق: هل سيعاد الاقتتال الطَّائفيّ والخراب والدَّمار والفساد والرَّجعيَّة والتَّخلُّف والجهل مَرَّةً أخرى، أم سيُكتب لنا أن نكون دولاً متقّدمة، تحترم الإنسان وتقدّسه، دولاً تضع خلافات الماضي جانباً، وتمضي في بناءِ مسّتقبّلٍ يضمن حياةً كريمة للجيل القادم. هل سنكون يوماً ما نُريد أو لا نكون؟
5ADE5A47-E143-4BFB-9A04-F3543E66FC8B
بشير الكبيسي (العراق)