دروسٌ وعِبَر من سقراط

31 اغسطس 2018
+ الخط -
ولد في أثينا عام 469 ق.م. كان والده نحّاتاً وأمّه قابلةً. فلسفته كانت شفاهيّة، فلم يكتب كتاباً بحياتهِ. لم يكن لديه أيّ تعلق بالأمور الماديّة، لذا كان يرتدي العباءة ذاتها خلال العام، ويمشي حافياً. كانت زوجته زنتيب سيئة الطّباع، على حدِّ وصفه. أما فيما يتعلق بشكله، فلم يستسغه الناس. إذ وصفوه بأنه كان قصيراً وملتحياً، أصلع، ذا مشية غير مستقيمة، ووجهه منفّر. كان أنفه أفطس، وشفتاه غليظتين، وعيناه جاحظتين. ولو أردنا الوقوف على أبرز سِمَةٍ يتصفُ بها هذا القصير الحكيم، لقلنا، سِمَة محادثة الناس من جميع الطبقات الاجتماعيّة في الأزقة والساحات العامة، وتقديم وابل من الأسئلة حتى يختبر معتقداتهم وقناعاتهم من دون خشيةٍ مِن أحد، إنّه الفيلسوف العظيم سقراط.
دأب على نقد معتقدات الأثينيين وقناعاتهم، ليس استخفافاً ولا انتقاصاً منهم، ولكنه كان مصلحاً اجتماعيّاً. اعتقد الناس، وقتذاك، أنّ ما هو سائد من عادات وتقاليد وعقائد وآراء هي بالضرورة، صحيحة. إلاّ أنّ سقراط لم يعجبه ذلك، فكان يطرح الأسئلة، ليختبر الناس وليستدرجهم لمعرفة العلل التي تكتنف تفكيرهم. احترف أسلوب التظاهر بعدم الدراية في الموضوع المطروح على طاولة النقاش، حتى يدفع الناس على البوح بما لديهم، ومن ثم، توجيه أسهم النقد لهم.
في محاورة لاخيس لأفلاطون، التقى سقراط بجنراليْن، هما نيكياس ولاخيس. حاربا الجيوش الإسبارطيّة في الحروب البيلوبونيسيّة، وكانا يؤمنان بأن على المرء، إذا أراد أن يتصف بصفة الشجاعة فإن عليه أن ينتمي إلى الجيش، ويقدم على محاربة الأعداء. بدأ سقراط (كما هي عادته) بطرح الأسئلة.
قال سقراط: لنحاول تعريف الشجاعة يا لاخيس. رد لاخيس: بحق الآلهة يا سقراط، هذا ليس صعباً! لو كان الرجل مُهيَّأً للانضمام إلى الجيش، ومواجهة العدوّ من دون أن يهرب، في وسعك أن تثق بكونه شجاعاً. تذكّرَ سقراط معركة بلاتيا عام 479 ق.م عندما تراجعت كتيبةٌ يونانيةٌ، ثم هزمت الجيش الفارسيّ الذي كان تحت قيادة مردونيوس ببسالةٍ.
سقراط: في معركة بلاتيا، هجم الإسبارطيون على الفرس، لكنهم كانوا عاجزين عن الصمود، فانسحبوا. أصبح السّبق للفرس، لكن الإسبارطيين عادوا إلى القتال بقوة، وبهذا ربحوا ذلك الجزء من المعركة، فهل هؤلاء ليسوا شجعاناً؟
العقائد والآراء التي يؤمن بها الناس مترسخة منذُ القدم، ويعتقد بعضهم أنّ أيَّ حجةٍ تلقى ترحيباً وقبولاً من عددٍ لا بأس به من الناس، هي بالضرورة صحيحة ولا يُقبل التشكيك بها، لكن منطق سقراط كان مغايراً. إذ لم يولِ أيّ أهمية لقدم الحجة أو عدد الذين يؤمنون بها. عوضاً عن ذلك، ما يهمه هو عرض الحجة على سلطة النقد والتمحيص، بالإضافة إلى اتساقها مع منطق العقل السليم. وضع سقراط يده على الآفة التي تكتنف تفكير الناس، إذ أنهم يتبنّون آراءً راسخة يعتنقها الغالبية، من دون نقدها وتمحيصها، كما الحال مع الجنراليْن نيكياس ولاخيس. يرشدنا سقراط إلى أنّ المعتقدات والآراء السائدة ليست منطقيةً بما يكفي، وما هو طبيعيّاً في المجتمع، في الغالب، فيه مِن الغرابة والخطيئة، الشيء الكثير.
لم يدّعِ سقراط أنه إنسانٌ فريد، ويمتلك عقلاً إستثنائياً، فكان متواضعاً، وقال مرة: "الشيء الوحيد الذي أعرفه أنني لا أعرف". حثّ سقراط الناس على استخدام عقلهم لفحص ما هو سائد من عقائد وقيم. المقولة الصحيحة هي التي لا يمكن تفنيدها، ومخالفتها غير ممكنة، وفق منطق سقراط. وإذا أصبح الأمر ممكناً للتشكيك بها، فيمسي انتشارها واتساع المؤمنين بها لا معنى له. وما يستحق الوقوف عنده أيضاً، أنّ سقراط لا يحثنا على ممارسة النقد والتمحيص إزاء الآخرين فقط، وإنما ممارسة هذه المنهجيّة على أنفسنا بالمثل.
اتُهم سقراط مِن بعض المتنفذين بإفساد عقول الشباب، وبالتشكيك فيما تحت الأرض وفوق السماء، وبالهرطقة أيضاً، وهي اتهاماتٌ جاهزة في المجتمعات المتخلفة حضاريّاً لكلِّ من يخرج عن المألوف والسائد، فعرض على محكمة المحلّفين المكوّنة مِن بعض العجائز والمتقاعدين. بعد مناقشات قصيرة، بُتّ بالقضية، وقد قرّر 220 منهم أن سقراط غير مذنب، واعتبر 280 أنه مذنبٌ. بعد الإعلان عن الحكم، ردّ سقراط بسخريّة: "لم أكن أظنّ أن الفارق سيكون ضئيلاً إلى هذا الحد". على الرغم من أنّ محكمة المحلّفين عرضت على سقراط العفو مقابل التخلي عن أفكاره وعقائده، إلاّ أنه رفض ذلك، وظل مؤمناً بمشروعه الفلسفيّ، والحق يقال لو إنه رضخ لما كان سقراط الذي نعرف.
جاء الجلّاد حاملاً كوباً مِن الشّوكران المسحوق (سمّ قاتل)، وعندما رآه سقراط، قال: "حسناً يا صديقي، أنت خبيرٌ في هذه الأمور، ما الذي ينبغي عليّ فعله؟"، فاتبع سقراط ما قيل له، ومات من أجل أفكاره.
5ADE5A47-E143-4BFB-9A04-F3543E66FC8B
بشير الكبيسي (العراق)