فنانون بين المتظاهرين: حراك يحرّر الجميع

22 مارس 2019
الصورة
(متضاهرون يحملون عملاً لـ ياسر عامر)
+ الخط -

هل يُواكب الفنُّانون الجزائريّون الحراك الشعبي المتواصل منذ الثاني والعشرين من شباط/فبراير الماضي؟ سؤالٌ يبدو منطقياً في السياق الجزائري الذي شهد، طيلة سنوات خلت، محاولاتٍ حثيثةً لـ "تأميم" الحياة الثقافية والفنّية، كما حدث مع الأحزاب السياسية والمجتمع المدني، وأدّى الأمر في النهاية إلى تراجعٍ ملفتٍ للأصوات النقدية، مقابلَ ارتفاع الأصوات التي تتّكئ على الفنّ لتكيل مديحاً للسلطة و"منجزاتها".

تجسّد ذلك، مثلاً، في "الأوبيريتات" الكثيرة التي قُدّمت في السنوات الأخيرة في مديح السلطة ووجوهها، وفي "قوافل" الفنّانين التي كانت تجوب البلاد مع كلّ موسمٍ انتخابي. في الانتخابات الرئاسية السابقة (2014)، وبينما كان عددٌ من النشطاء والسياسيّين يُعبّرون عن رفضهم ترشّح عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية رابعة، كان حشدٌ من الفنّانين يصدح بأغنية تقول كلماتها: "خلّيني نفرح/ برئيس بلادي".

في 2019، بدا كلُّ شيء مختلفاً؛ فمع خروج الجزائريّين إلى الشارع للتنديد بترشّح بوتفليقة لعهدة خامسة، لم يخفت صوت السياسيّين الموالين للسلطة فحسب، بل صمتت جوقة الفنّانين المؤيّدين أيضاً، وربما اختار بعضهم الانضمام إلى الحراك. وفي المقابل، كان عدد الفنّانين الذين شاركوا فيه أو قدّموا أعمالاً فنّية تؤيّده لافتاً جدّاً.

إلى جانب الأغاني التي صدرت في الأيام الأخيرة، وتلك التي يؤدّيها فنّانون في الشارع، تحضر الفنون البصرية بشكلٍ لافتٍ في المظاهرات. من ذلك تنويعات لرسمةٍ تُظهر شاباً تدخّل بشكلٍ مفاجئ في نقل مباشر لإحدى الفضائيات ليُكذّب مراسلتها التي كانت تقول إن الجزائريّين خرجوا للاحتفال بعد إعلان بوتفليقة عدم ترشُّحه. من بين اللافتات المرفوعة، أيضاً، رسمة للفنان ياسر عامر المعروف بـ "الرجل الأصفر" تحمل عنوان "اخرُج من البرواز"، وتُظهر الرئيس وهو يهمّ بالقفز من صورةٍ قبل حذفها إلكترونياً.

تَعتبر الممثّلة المسرحية، عديلة بن ديمراد، أنَّ الآمال المعقودة على الحراك الشعبي لا تتمثّل في تغيير السلطة السياسية فحسب، بل في إحداث تغيير شاملٍ بما فيه تحقيق "ثورة ثقافية" أيضاً؛ إذ تقول، في حديثها إلى "العربي الجديد"، إنَّ "بإمكان الفنّان الجزائري، انطلاقاً من التزامه كمواطن، أن يستثمر الحراك في ابتكار أساليب إبداعية غير تقليدية، في محاولةٍ منه للإسهام في ترميم الأرواح والأجساد التي تعرّضت للإهانة والقمع طيلة السنوات الماضية. ويتعيّن عليه القيام بذلك في الشارع، وسط الشعب".

تُضيف بن ديمراد، التي قدّمت وأشرفت على العديد من عروض مسرح الشارع في الجزائر العاصمة، خلال السنوات الماضية، أنَّ الفنّان مدعوٌّ، في المرحلة الحالية، إلى "الانخراط في تنظيم عروض الشارع، وتحريك النقاشات العامّة، وتقديم مقترحاتٍ لمستقبل الجزائر، خصوصاً في ما يتعلّق بالسياسة الثقافية المستقبلية، والتي يجب أن تقوم أساساً على حرية التعبير".

وبُعيد بدء الاحتجاجات، بادرت بن ديمراد وعددٌ من زملائها إلى تنظيم لقاءاتٍ دورية تجمع فنّانين جزائريّين، على اختلاف مجالاتهم وتوجّهاتهم، لمناقشة الراهن السياسي وما الذي بوسع الفنّان تقديمه في هذه الظروف، وأيضاً واقع الفنّان الجزائري والحياة الثقافية بشكلٍ عام. وعادةً ما تشهد تلك الجلسات، أيضاً، فقرات موسيقية وفنية.

عن ذلك تقول: "نجتمع ونناقش كلّ ما يهمّ الشأن العام. حالياً، يحضر فنّانون من الجزائر العاصمة، لكننا نأمل أن يشارك فنّانون من المدن الأخرى مستقبلاً". وتردف: "طيلة السنوات الماضية، بلورنا الكثير من التصوّرات والمقترحات في المجالَين الثقافي والفنّي، وهذا ما حدث أيضاً بالنسبة إلى المهن الأخرى؛ فالجميع يعرف مشاكله ويعرف حلولها أيضاً. نستطيع إيجاد الحلول وبناء البلد من دون الاعتماد عليهم"، في إشارةٍ إلى السلطة.

أنيس لحرير، موسيقيٌّ وناشطٌ في الثانية والعشرين من عمره، هو أحد الذين يشاركون في تلك اللقاءات التي باتت تُعقَد كلّ إثنين، عند مدخل "المسرح الوطني الجزائري محي الدين بشطارزي". يقول لـ "العربي الجديد": "نلتقي في الشارع وليس في قاعة مغلقة، لنكون أكثر قرباً من الناس. كثيرٌ من الفنّانين تحدّثوا وعبّروا عمّا يُفكّرون فيه. أبرز ما تحقّق في هذا الحراك هو أنّنا كسبنا الشارع... أصبحنا نستطيع أن نُعبّر عن آرائنا بكلّ حرية".

يتحدّث لحرير، أيضاً، عن مبادرةٍ أُخرى أطلقتها بن ديمراد منذ الجمعة السابقة، والتي خرج فيها الجزائريّون، للأسبوع الرابع على التوالي، رفضاً هذه المرّة لتمديد ولاية بوتفليقة الرابعة، قائلاً: "مع تزايد أعداد المتظاهرين كلّ جمعة، كان يجب التفكير في طريقةٍ لتقديم المساعدة. هكذا جاءت فكرة "الشارات الخضراء"؛ وهي مجموعة مفتوحةٌ من المتطوّعين الذين يعملون على تنظيم حركة المحتجّين، وتقديم الإسعافات الأوّلية إذا تطلّب الأمر، وهذا أقلُّ ما يمكن لنا القيام به".

عن رؤيته لدور الفنّان في الحراك الحالي، يقول لحرير: "بسبب ممارسات السلطة، يعيشُ المجتمع الجزائري مشكلة قيم، إذ تراجعت قيمتا المسؤولية والإبداع، وهذا يُفسّر بشكلٍ ما عدم قدرة الفنّان على التعبير بحريّة. لكنه بات يتحدّث بحرية اليوم، بفضل الشارع الذي كسر حاجز الخوف".

يضيف: "شخصياً، أستلهم الكثير من المشاهد التي نراها في الشارع وتعكس توحُّد الشعب. ومنذ انطلاق الحراك، كتبتُ الكثير من الكلمات وأدّيتُها في الفضاء العام. برأيي، على الفنّان أن يساهم بما يستطيع، سواءً بالكلمة أو باللحن، وأن يكون موجوداً في الساحات العامّة، وأن يعمل على إيصال رسالة السلمية. صحيحٌ أنّ الشعب واعٍ بأهميّة سلمية حراكه وبأنه لا يملك طريقةً أخرى غير ذلك، لكنّ النظام يعمل على كسب الوقت، وقد يعمل على ضرب هذه السلمية".

تتّفق الممثّلة المسرحية حنان بوجمعة مع الرأي السابق؛ إذ تقول إن العمل الحقيقي للفنّان يجب أن يكون مع الشعب، لأنه جزءٌ منه، مضيفةً: "برأيي، على الفنّان أن يُؤطّر نفسه ومجموعته ومحيطه، لأنه يتأثّر به أكثر من أيّ شخصٍ آخر". تضيف بوجمعة: "أتساءل: ماذا بعد هذا الحراك؟ وأيَّ فنٍّ علينا تقديمه مستقبلاً؟ ولعلّ هذا السؤال يطرحه كلّ فنّان يُريد تقديم إضافة حقيقية ونوعية. أعتقد أنَّ علينا تقديم فنّ يشبهنا، لا أقصد هنا الفولكلور أو الفنّ الشعبوي، بل الفنَّ الذي يُقدّم بلغةٍ نفهمها نحن ويفهمها المتفرّج، بهدف فتح نوافذ وآفاق للأجيال القادمة، خصوصاً من خلال المسرح".

تعتبر المتحدّثة أن الحراك فرصةٌ يجب أن يستثمرها الفنّان: "ضاعت العشرون سنةً السابقة في الإقصاء والإهمال، وعلينا أن ننتبه كي لا تضيع السنوات المقبلة. لذلك، فهذه فرصةٌ لكلّ من كان ينتظر لتقديم شيءٍ لهذا المجتمع. لكن قبل ذلك، علينا أن نعرف ما الذي نريده بالضبط، وعلينا أن نُنظّم أنفسنا.. أن نقرأ وأن نتعلّم أكثر".

بالنسبة إلى الممثّل والمخرج المسرحي عبد القادر جريو، فإن "الفنّان اليوم ملزم بالاختيار بين أحد موقفين: إمّا أن ينضمّ إلى الحراك، أو أنه ليس من هذا الشعب"، يُوضّح: "يجب على كلّ فنّان أن يكون ملتزماً بقضية الشعب؛ فقوّة الفنان في الشعب... في جمهوره. الشعب ينادي بتغيير النظام، وعلى الفنّان أن يُندّد بهذا النظام أيضاً".

برز اسم جريو، مع فنّانين آخرين، في مجال الفن السياسي الساخر، خصوصاً من خلال برنامجه التلفزيوني "جورنال القوسطو" الذي قُدّم على عددٍ من القنوات الخاصّة في السنوات الأخيرة، وتعرّض للرقابة والتضييق غير ما مرّة، بسبب نقده اللاذع لرمز السلطة.

يضيف: "كلّ فنّان صوته مسموعٌ محلياً أو دولياً عليه أن يكون ملتزماً من الناحية الشخصية ومن الناحية المهنية. أقصد بالالتزام الشخصي أن يُعبّر عن آرائه بشكل صريح وأن لا يكون حيادياً، وبالمهني، أن يُجسّد نضاله في شكل مقترحات أو أغانٍ ملتزمة أو أعمالٍ مسرحية أو أفلام وثائقية تؤرّخ لهذه المرحلة".

المساهمون