فلسطين الشتات... الحصار يخنق غزة من كل الجهات (4- 8)

18 مايو 2018
الصورة
الحصار القاتل (محمد عابد/ فرانس برس)
+ الخط -

لا شكّ في أنّ الوضع في قطاع غزة يشهد على كونه أسوأ أماكن تجمع الفلسطينيين على الإطلاق في السنوات الأخيرة. فالقطاع تحت الحصار والأزمة الاقتصادية - المعيشية الخانقة التي يتجلى جزء منها في انقطاع رواتب الموظفين أو الخصم منها، كما يمنع السفر منه، وتستمر الاعتداءات المتكررة عليه. الحصار يمتد من الجانب الاقتصادي إلى جوانب أخرى لا سيما الوضع الصحي، إذ ينتظر آلاف المرضى العبور إلى الجانب المصري لتأمين علاجهم، كما تشهد مستشفيات غزة انقطاعاً أو قصوراً في المواد الطبية المختلفة. وفي ما يأتي الحلقة الرابعة من ملف "فلسطين الشتات"...

يعاني قطاع غزة الفلسطيني المحاصر من أحوال اجتماعية واقتصادية قاسية بفعل الحصار الإسرائيلي من جهة، وشحّ المساعدات وامتناع العديد من الدول المانحة عن تقديمها له من جهة أخرى، خصوصاً مع الاكتظاظ السكاني الكبير فيه، إذ وصل عدد السكان عام 2017 إلى مليون و899 ألفاً و291 نسمة بحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، يعيشون على مساحة لا تتعدى 360 كيلومتراً مربعاً.

من جهتهم، اعتمد الإسرائيليون الذين سيطروا على القطاع في حرب عام 1967، أنّ ما يسري من وقائع على الضفة يسري عليه، فكما أنّ الأولى انتزعت من الإدارة الأردنية، انتزعت الثانية من الإدارة المصرية، لكنّهم بعد سنوات من الاحتلال انسحبوا من غزة باعتبارها مكاناً غير صالح للعيش لا لأهله ولا لمحتليه، بفعل الضائقة الخانقة التي يعانيها بالنظر إلى مساحته المحدودة، وفقدان الموارد الطبيعية والكثافة السكانية، وتردي الخدمات وارتفاع منسوب البطالة، وسلسلة من الأزمات المركبة التي لا علاج لها. كذلك، فإنّ معابره يمكن السيطرة عليها، وبالتالي التحكم بأنفاسه ومصيره. وما لا تحققه المعابر الممسوكة بإحكام، تحققه القوة النارية للجيش الإسرائيلي بأسلحته البرية والجوية والبحرية.

في انتظار الإعانات (فرانس برس)

مثل هذا الوضع وإن كان يطاول جميع سكان القطاع إلاّ أنه أشد وطأة في المخيمات حيث تتكثف كلّ عناصر التأزم، التي لا ينفع فيها توظيف الناس على ميولهم الحزبية، لا لسبب إلاّ لأنهم بحاجة إلى عمل، لا يجدونه متاحاً لهم وسط العوائق الاقتصادية، بينما السلطة عليها أن تؤمّن لهم رواتبهم الشهرية من أموال مساعدات ترد في قسم كبير منها من الولايات المتحدة الأميركية. ولعلّ الإعلان عن 40 ألف موظف في القطاع هو وحده كفيل بتبيان مدى الهشاشة التي يعيشها القطاع وسط هذا الكم من الموظفين، وهذه الندرة في الموارد التي تتحكم بها إسرائيل من جهة والدول المانحة من جهة ثانية. ربما تكمن هنا معضلة حماس التي دفعتها في المحصلة إلى التخلي عن إدارتها المحلية. هذا مع العلم أنّ تسوية القاهرة التي تمت مع حركة فتح بإشراف الاستخبارات المصرية ما زالت تعاني من العراقيل والاستعصاءات التي تهددها بمصير يماثل ما سبقها من تفاهمات واتفاقات.




ترحيل

الواقع أنّ المخيمات في الإجمال، وفي غزة أكثر من سواها، تعاني إلى جانب الأزمات المعيشية والاقتصادية من كثافة سكانية عالية ما يقود إلى توترات نفسية وضغوط تنعكس على الأهل كمجتمع، وعلى تلاميذ المدارس الذين يتراجع مستواهم التعليمي إلى ما دون المتوسط، كما أنّ وجود مدارس مكتظة تفتقد المساحات الخضراء ينعكس عنفاً بين الصغار. ويتبين أنّ 609.000 من اللاجئين في كلّ من الضفة والقطاع يعيشون في مساحة لا تزيد على 20 كيلومتراً مربعاً ما يعني كثافة سكانية تزيد على 30.450 نسمة في الكيلومتر المربع الواحد وهي نسبة من أعلى النسب في العالم.

وقبل الدخول في أوضاع مخيمات غزة واندفاع أبنائها نحو دول الشتات نقرأ واقعة معبرة تبين مدى المراهنة الإسرائيلية على هذا الخيار، فقد دعا عضو الكنيست الإسرائيلي بتسلاتيك سموتيرش وهو من حزب "البيت اليهودي" إسرائيل إلى اعتماد خطة أطلق عليها اسم "خطة الحسم"، وهي "خطة تستهدف تشجيع الهجرة الطوعية للفلسطينيين من إسرائيل والضفة والقطاع. ووصف هذه الخطة بأنّها ليست ترحيلاً، إذ هناك نحو 20 ألف شخص يغادرون سنوياً من الضفة الغربية. أما استطلاعاتنا فتشير إلى أنّ نحو 30 في المائة من الفلسطينيين يرغبون في الهجرة، وعلينا أن نساعدهم على تحقيق ذلك من خلال تقديم تعويضات مالية لهم من دون إكراه... إنّ مثل هذا الخيار هو أقل كلفة من الحروب ومن خوض العمليات العسكرية كلّ بضع سنوات". آخرون من القادة والأحزاب اليمينية المتطرفة تدعو فقط إلى ترحيلهم ولو بالقوة، وبالتالي التخلص منهم كأعباء وأعداء، وليتدبر العالم شؤونهم ومصيرهم.

اللاجئون المسجلون في قطاع غزة يعيشون في مخيمات: جباليا، رفح، البريج، الشاطئ، المغازي، النصيرات، دير البلح. ويتراوح عدد سكان كلّ من المخيمات بين حد أدنى مقداره أكثر من 22 ألف نسمة وحد أقصى يصل إلى 110 آلاف نسمة. ويصل عدد المسجلين من اللاجئين في قوائم الأونروا إلى 1.001.352 وغير المسجلين إلى نحو 11.898.

عندما يستهدف الاحتلال شباب فلسطين على حدود غزة (فرانس برس) 

فقر وأمراض

ترتفع نسبة البطالة بين لاجئي القطاع عما هي عليه في الضفة الغربية، كما أنّ المداخيل هي أقل من مثيلاتها، وترتفع نسبة الاستخدام لدى الفلسطينيين المقيمين عن اللاجئين. تظهر دراسة "شمل" أنّ وضع العمالة في مخيمات غزة هو الأسوأ، كما تبين من خلال المقارنة بين نسبة العاملين إلى غير العاملين في الضفة والقطاع والقدس، أنّ مخيمات غزة سجلت النسبة الأدنى، بينما تسجل مخيمات الضفة النسبة الأعلى.

واستناداً إلى تقرير أصدرته منظمة الصحة العالمية عام 2012 فإنّ ما يقارب 10 في المائة من أطفال غزة ما دون الخامسة يعانون التقزم- قصر القامة. وغالباً ما يكون مثل هذا الوضع نتيجة سوء التغذية لدى الأمهات في مرحلة الحمل، أو تعذر توفير التغذية الملائمة بعدها للأطفال، هذا إذا لم تكن هناك عوامل وراثية وراء ذلك.

ولحظ التقرير لدى المقارنة بين الأوضاع تبعاً لما كانت عليه في العام 2000 و2012 أنّ معدلات سوء التغذية لدى هذه الفئة العمرية قد ازدادت إلى أكثر من الضعف، وربع هذه النسبة تعاني من فقر الدم. ولا شك أنّ هذا كله يرتبط بالحصار المفروض على القطاع وشح الموارد ونقص الخدمات الأساسية ، ومعه تعاني المستشفيات من نقص في كل من الأدوية والمعدات الطبية اللازمة. وتقدر المنظمة نسبة النقص في الأدوية وبينها أدوية حيوية في علاج الكثير من الأمراض بـ 40 في المائة ونحو 50 في المائة من الإمدادات الطبية العامة. ومن المعروف أنّ الكثير من الأجهزة الطبية المتطورة تحتاج دوماً إلى عمليات صيانة سنوية وإلى قطع غيار. وهذه لا تتوفر إلاّ في الخارج، فمثلاً هناك ثلاثة أجهزة للتصوير الطبقي معطلة من أصل 6 هي المتوفرة في القطاع، وهذه معطلة عن العمل لفقدانها قطع الغيار اللازمة وصعوبة تأمينها من مصادرها.



والجدير بالذكر أنّ كلّ من يتوجه إلى السفر ومن ضمنه للحصول على العلاج بجب عليه أن يحصل على إذن من إسرائيل. ويتبين أنّ نسبة لا تقل عن 10 في المائة من هذه الطلبات التي قُدمت لدواعٍ طبية قد رفضت. أما الطلبات التي قبلت فقد جرى تأخير الموافقات عليها مدة طويلة.

مراكب الموت

يقدم تقرير غزة الصادر عن الأمم المتحدة في العام 2012 شرحاً تفصيليأً لأسباب اعتباره سكان قطاع غزة أسوأ حالاً مما كانوا عليه في التسعينيات من القرن العشرين. ويتساءل التقرير كيف لهؤلاء أن يستمروا في ظل النقص في مجالات الإسكان والمياه الصالحة للشرب والاستعمال وندرة التيار الكهربائي وعدم توفر الصرف الصحي ونقص خدمات الطبابة والاستشفاء والتعليم وغياب الفرص الاقتصادية.

بالرغم من عدم توافر إحصاءات تبين حجم الهجرة إلى دول الشتات من قطاع غزة، إلاّ أنّ ما يتردد حول هذه الظاهرة يؤكد تصاعدها ارتباطاً بما شهدته العلاقات بين فتح وحماس من تغير، خصوصاً سيطرة الأخيرة على القطاع في العام 2007. وبينما يتحدث البعض عن المئات الذين يغادرون القطاع سنوياً هناك من يصف مثل هذا الرقم بأنه لا يعبر عن الواقع الذي يتجاوزه ليصل إلى الآلاف.

غرافيتي في غزة في الذكرى السبعين للنكبة (علي جاد الله/ الأناضول)


ويعتمد الغزيون في رحلتهم القسرية هذه، الموانئ المصرية، ولا سيما ميناء دمياط كرأس جسر للهجرة، وبعدها يتجهون إلى كلّ من النرويج والسويد وبلجيكا وغيرها. وكان الخروج يتم براً من معبر رفح إلى مصر ومنه إلى تركيا لمن يحملون تأشيرات سفر إلى تركيا، ومن خلال شبكات المهربين يعتمدون طريقين رئيسيين أولهما براً من إسطنبول إلى اليونان، والثاني بحراً عبر نقاط التهريب إلى إحدى الجزر اليونانية، ومن هناك يواصلون رحلة العذاب إلى أوروبا كأرض موعودة، فمنهم من يصل، ومنهم من تبتلعه الأمواج حتى قبل أن يغادر المياه الإقليمية لمصر.

عام 2014 كان على متن القارب الحاج رزق عدد غير معروف بدقة من الغزيين الذين غرقوا ومعهم 500 سوري. ويروي أحد الناجين ممن فقد ولديه وزوجته أنّ قارباً مصرياً اقترب من قاربهم وصدمه من الخلف في عرض المتوسط. وظل الركاب والقبطان يكافحون لمدة أربعة أيام ويرسلون النداءات للسفن حتى حضرت سفينة يابانية وأنقذت 11 شخصاً فقط، بينما باقي الركاب غرقوا. وقعت حادثة أكثر فداحة في الجنوب الإيطالي إذ قضى في هذه الحادثة 899 مهاجراً بينهم 40 طفلاً و200 امرأة من أصل أكثر من ألف راكب نجا منهم فقط 150. وقد سجلت الإحصاءات أنّه في عام 2014 وحده غرق قرابة 3400 مهاجر في عرض البحر، ولم يكن الوضع أفضل حالاً في السنوات اللاحقة.




بالطبع، ليس هؤلاء الغرقى من الغزيين، بل إنّ نسبة منهم كانت منهم ومن لاجئين فلسطينيين آخرين من مخيمات لبنان وسورية ومن الأفارقة وغيرهم. من المعروف أنّ شبكات التهريب قد مارست عمليات مافياوية وتلاعب في عمليات التهجير، من دون حد أدنى من الإجراءات الأمنية على متن هذه الزوارق التي جرى تحميلها أضعاف ما تستطيع، وبلغ الاستهتار مداه في مغادرة قادة المراكب زوارقهم في عرض البحر وترك المهاجرين يلاقون مصيرهم المحتوم. وكانت الحصيلة غرق عدة آلاف سنوياً.

أما الطرقات البرية فلم تكن أفضل حالاً، إذ تبين أنّ كلّ همّ رؤوس شبكات التهريب، كان الحصول على المال، والمال وحده بصرف النظر عن أرواح المهاجرين ووصولهم من عدمه. قدّر يوماً عدد العالقين في الجزر اليونانية بنحو 400 من بينهم نسبة لا بأس بها من الأطفال والنساء. أما العدد المقدر لمن خرجوا من غزة فليس أقل من ألف في غضون فترة قصيرة لا تتجاوز العام، علماً أنّ أحداً لم يعمد إلى دراسة هذه الظاهرة التي تزداد خطورة كلما أوغلت الأوضاع في سياق ترديها من النواحي كافة.

*باحث وأستاذ جامعي