فلسطين الشتات... الهروب من مخيمات لبنان بأي وسيلة (7- 8)

21 مايو 2018
الصورة
الأحوال في المخيمات سيئة (محمود زيات/ فرانس برس)
+ الخط -

كثير من الحقوق لا تمنح للفلسطينيين في لبنان، أكانوا يعيشون في مخيماتهم أو خارجها، لا سيما حقوق العمل والتعليم والصحة والسكن. هذا الحصار يخنقهم فهم ممنوعون من البناء في مخيمهم، وممنوعون من التملّك خارجه. أما الشباب ففرصهم في العمل تكاد تكون معدومة، فحتى من يحصلون على شهادات جامعية لا يعملون إلاّ بالكاد وفي غير اختصاصاتهم غالباً. هو وضع يدفعهم إلى محاولة الهرب من لبنان. لكنّ مثل هذه المحاولة دونها مخاطر الغرق في البحر إذ لا طريق غير مراكب الموت، وهو ما كان مصير بعض العائلات. وفي ما يأتي الحلقة السابعة من ملف "فلسطين الشتات"...

ما لاحظه الشبان والفتيات الذين تولوا زيارة المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان خلال التعداد الذي أشرفت عليه لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني ونفذه مكتب الإحصاء المركزي التابع لرئاسة الحكومة اللبنانية والمكتب المركزي للإحصاء الفلسطيني في رام الله التابع للحكومة الفلسطينية، أنّ عائلات بأكملها من اللاجئين كان يجري إحصاؤها في التعداد الأول غير موجودة في التعداد الثاني أو الثالث. وعندما سئل جيرانهم عنهم، تبين أنّهم غادروا لبنان نحو أوروبا. أدى ذلك إلى تراجع أعداد اللاجئين في لبنان على نحو ملفت، إذ أظهر الإحصاء الذي أُعلن عنه في 21 ديسمبر/ كانون الأول الماضي أنّ العدد الكلي للاجئين الفلسطينيين في لبنان هو 180 ألف لاجئ فقط. وقد تبين أنّ تناقص الأعداد ينسحب على جميع المخيمات والتجمعات الفلسطينية ولا يقتصر على واحد منها.

في شاتيلا (فرانس برس)

يقيم اللاجئون الفلسطينيون في 12 مخيماً معترفاً بها من جانب الدولة اللبنانية ووكالة الأونروا و216 تجمعاً تنتشر في عموم المناطق اللبنانية، مع تركز في محافظتي الجنوب والجبل الذي تتبع له ضواحي بيروت الجنوبية، بالإضافة إلى من يقيمون في القرى والمدن اللبنانية في معظم المحافظات.

من المعلوم أنّ الأرقام التي يجري تداولها حول عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان متباينة بين سجلات وكالة الأونروا، إذ يبلغ عددهم بموجب إحصاء عام 2016 نحو 459.292 لاجئاً، ضمنهم حوالي خمسة الآف من فاقدي الأوراق الثبوتية، بينما يصل العدد في سجلات المديرية العامة لشؤون اللاجئين الفلسطينيين التابعة لوزارة الداخلية اللبنانية إلى نحو 592.711 لاجئاً، علماً أنّ العدد المتداول بموجب الإحصاء الذي جرى تنفيذه عام 2016 على طريقة العينة الذي قامت به كلّ من الجامعة الأميركية في بيروت ووكالة الأونروا تراوح في حدود ما بين 260 و280 ألفاً. وكلّ هذا يؤشر إلى مشكلة حقيقية تطرح الكثير من الأسئلة حول المصير الذي انتهى إليه العدد غير الموجود حالياً من اللاجئين.




إلى إسبانيا

بالعودة إلى تناقص العدد خلال المرحلة الأخيرة، تبين أنّ هناك مكاتب متخصصة في تهريب الفلسطينيين من لبنان إلى أوروبا. ويحصل المكتب بدل تأمين التسفير على مبلغ يراوح بين 9 و12 ألف دولارعن كلّ فرد. ولما كان مثل هذا المبلغ أكبر من قدرات معظم العائلات، تبيع العائلة منزلها الذي تقيم فيه وتقدم المبلغ للمكتب الذي يتولى عملية تأمين الهجرة لها. وتجري وقائع العملية من خلال استحصال العائلة أولاً على جوازات السفر وتسليمها للمكتب مع المال، ويحصل الأخير للعائلة على سمة دخول إلى إسبانيا عبر تركيا ويتم حجز موعد السفر بالطائرة، ولدى وصول العائلة إلى هناك يكون بانتظارها شخص يتولى نقلها إلى مكان تجميع حيث تمضي يوماً أو أياماً تبعاً للجهة التي تقصدها، بعدها يجري شراء تذكرة لها بالقطار أو عبر وسائل نقل أخرى إلى الجهة المقصودة. وهناك تترك لتواجه مصيرها منفردة. فقدت عائلات عديدة التواصل مع الوسيط في إسبانيا، أو تمنّع عن تأمين سفرها إلى الوجهة النهائية.

كذلك، تعاني العديد من العائلات من تعذر قبولها في مخيمات اللاجئين من جانب الدول المقصودة. والمشكلة الكبرى أنّ هذه العائلات فقدت ما كان معها وباتت لا تستطيع العودة لخسارتها ثمن تذاكر السفر من جهة، وخسارتها مأواها في لبنان جراء بيع بيوتها. وهكذا يعيش هؤلاء في العراء مجردين من كلّ مقومات العيش. وترد صرخات عبر وسائل التواصل الاجتماعي تستغيث بأقاربهم ومعارفهم للعمل على إعادتهم إلى لبنان. وعليه، يعاني هؤلاء من خسارتهم لبنان وعدم ربحهم السفر إلى أوروبا والإقامة في نعيمها.

... وفي مخيم برج البراجنة (فرانس برس) 

هجرات سابقة

لكنّ هجرة اللاجئين الفلسطينيين من لبنان ليست طارئة ضمن الموجة السائدة في الأعوام الخمسة الماضية، فمن المعروف أنّ الأحداث السياسية العاصفة التي عاشها لبنان خلال الحروب التي شهدها، معطوفة على القيود المفروضة من جانب السلطات التشريعية والتنفيذية والأجهزة الأمنية من جهة، وتردي الأوضاع المعيشية في المخيمات من جهة ثانية، كان في أصل الدوافع الفلسطينية دوماً لمغادرة البلاد. ففي غضون المرحلة التي أعقبت الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 وتحت وطأة صدمة مجزرة صبرا وشاتيلا تضاعفت حركة الهجرة من مخيمات لبنان، خصوصاً أنّ المجزرة تلتها مباشرة حرب المخيمات (1985 - 1988) التي كانت في الكثير من منعطفاتها مماثلة لقسوة المذبحة. وهذه وتلك قادت إلى اعتبار الفلسطينيين أن لا مكان لهم في لبنان نتيجة فقدان أمنهم السياسي والشخصي بعد خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان، وغياب حماية القانون وجملة القيود المفروضة على عملهم وإعادة إعمار المخيمات.



بعد تلك الفترة تسلمت سورية إدارة لبنان وفرضت وصايتها عليه ومن ضمنه المخيمات، ولاحقت كلّ من يثبت أو يشاع انتماؤه إلى حركة فتح خصوصاً ومنظمة التحريرعموماً. وكان من المتعذر على من يتدبرون أمر خروجهم من لبنان العودة ولو حتى في زيارات قصيرة، إذا لم يحصلوا على جنسيات من دول أخرى. أيضاً، باتت مستحيلة على وجه الإجمال إعادة بناء ما هو متهدم من بيوت في المخيمات بسبب منع دخول مواد البناء إليها. يجب ربط جملة تلك الأحداث في تلك المرحلة مع ما تلاها، وأبرزها خروج القوات السورية من لبنان عام 2005 في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري. لكن، ما كاد الفلسطينيون يتنفسون الصعداء حتى اندلعت معارك مخيم نهر البارد بين الجيش اللبناني وما يسمى "فتح الإسلام"، وكانت النتيجة دمار المخيم وتشتت سكانه منه، فكان ذلك بمثابة حافز إضافي على التوجه نحو الهجرة من البلاد.

حتى الآن، لا تملك أي جهة لبنانية أو فلسطينية إحصاء دقيقاً لعدد المغادرين من اللاجئين لبنان، لكن يمكن القول إنّ الفارق بين الأرقام المسجلة لدى الأونروا ومديرية الشؤون السياسية في وزارة الداخلية والأرقام التي أظهرها التعداد الأخير يكشف عن حجم النزيف الذي عاناه اللاجئون من لبنان، مع لحظ عدد الوفيات الطبيعية في غضون تلك السنوات. وهنا نتحدث عن نحو 250 ألف لاجئ وليس أقل من ذلك. والمترددون على المخيمات يعرفون جيداً أنّ بعض المخيمات باتت مقتصرة على فئات من كبار السن والأطفال، باعتبار أنّ الباقين وهم في أعمار فتية قد غادروها نحو الدول التي يستطيعون التسلل إليها أو تقبل بوجودهم على أرضها. والمعروف أنّه خلال الموجة التي تصاعدت الهجرة فيها بالإضافة إلى النزوح من سورية كان اللاجئون الفلسطينيون من لبنان وسورية يخرجون من مخيمات وتجمعات لبنان بالبواخر من الموانئ الشرعية وغير الشرعية خلسة أو يقصدون تركيا وقبرص ومنها يعملون على التوجه بحراً أو براً نحو دول أوروبا. والملفت أنّ نسبة وازنة من هؤلاء هي من خريجي الجامعات والمعاهد المهنية الذين تضيق بهم سبل العيش بفعل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بلبنان، ومنافسة اليد العاملة السورية ومنعهم من العمل بعشرات المهن كالطب والهندسة والمحاماة وغيرها. ومن المعروف عن هذه الفئة أنّها تعاني من البطالة أكثر من سواها من فئات اللاجئين فمؤهلاتها تمنعها من العمل المتوفر وتصر على اختيار ما يتناسب مع مؤهلاتها.

إحراق العلم الإسرائيلي في مخيم عين الحلوة (فرانس برس)

قوانين غير مفعّلة

لم تغيِّر من قسوة هذا الواقع التعديلات التي أحدثها مجلس النواب اللبناني على قانوني العمل والضمان اللذين يحملان الرقمين 128 و129 واللذين بموجبهما تم إلغاء مبدأ المعاملة بالمثل وإتاحة المجال أمام الفلسطيني للعمل في العديد من المهن التي كانت القوانين تمنعه من العمل بها، وتسهيل أمر الحصول على إجازة العمل من وزارة العمل وإعفائه من الرسوم المفروضة للحصول عليها. ويتطلب تفعيل القانونين إصدار مراسيم تطبيقية لم ترَ النور إلى الآن، فمثلاً ما زال على الفلسطيني بموجب القوانين النافذة كي يمارس عمله في بعض المهن أن يخضع لجملة شروط لا تتوافر لكثيرين من أبناء اللاجئين لمزاولة المهنة بعد الانتساب إلى النقابة التي ينتمي إليها، كما أنّ العامل يجب أن يحصل على إجازة عمل، لكن قبلها عليه أن يجد رب عمل يوقع معه عقد عمل ويتقدم به للحصول على إجازة عمل، وأن يسدد رب العمل عنه كامل الرسوم المطلوبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بينما يحق لهذا العامل فقط الإفادة من صندوق نهاية الخدمة، وتمثل نسبة 8.5 في المائة من أصل 23.5 في المائة تدفع عن كلّ أجير مهما كانت جنسيته.

ومع أنّ التعديل السابق كخطوة إيجابية حدّث عام 2010، إلّا أنّ ما سبقه عندما أقر مجلس النواب عام 2001 القانون رقم 296 الذي حظر على الفلسطيني التملك باعتباره لا يحمل جنسية دولة معترف بها، كان الضربة القاصمة. ومع أنّ جدلاً واسعاً حدث بين المؤيدين والمعارضين في أروقة مجلس النواب وخارجه وفي الأوساط القانونية، إلّا أنّ ذلك كله لم يثمر على صعيد إتاحة المجال أمام الفلسطيني لتسجيل عقود الملكية التي عقدها قبل صدور القانون حتى، ناهيك بما بعد صدوره. هذا الصعيد القانوني قاد إلى معضلة بالنسبة للفلسطينيين، إذ عنى لهم أنّهم باتوا ممنوعين من الحصول على تسجيل منزل يأويهم، أو شراء عقار معين كما كان يحدث قبلاً.

وأظهرت معطيات رقمية صادرة عن الدوائر العقارية التابعة لوزارة المالية في كتاب أعدته لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني تحت عنوان "اللجوء الفلسطيني في لبنان 2: واقع العيش وإرادة التقدم"، وصدر أخيراً عن دار "سائر المشرق"، أنّ عدد الشقق التي يملكها الفلسطينيون في شتى المحافظات اللبنانية هو 5331 شقة مسجلة في نظام السجل العقاري الممكنن تتركز في الغالب بالترتيب في مناطق: صيدا، الشوف، طرابلس، بيروت، بعبدا، عاليه، صور، والمتن، وبنسب تكاد لا تذكر في باقي الأقضية.




إنّ تداخل الأوضاع بين السياسي - الحربي في مفاصلها الكثيرة وذروتها الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 وما تلاه من خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان وشعور الفلسطيني بأنّه عاجز عن تأمين بقائه حياً، إلى جانب القيود التشريعية على حقه بالعمل ما يحول دون ممارسة نشاطه البشري وتأمين قوته وإعادة إعمار مقومات حياته بعد خسائر الحرب ومسألة التملك التي منعته من حق مكرس له في القانون الدولي الخاص باللاجئين عام 1951 وملحقاته عام 1967 وبروتوكول الدار البيضاء الموقع من جانب الجامعة العربية في العام 1965 حول حقوق اللاجئين الفلسطينيين، يقود إلى شعور الفلسطيني في لبنان بأنّه بات شخصاً غير مرغوب ببقائه في مخيمه وتجمعه. هذا من دون أن ننسى جراحات الحرب الأهلية العميقة وما أدت إليه وما أطلقته أمام فئات من هذا الشعب للمباشرة بالرحيل، وفي المقدمة منها كانت الفئات والشرائح التي وجدت الكثير من الدول أنّها تستطيع أن تفيد من كفاءاتها وطاقاتها في دورتها الاقتصادية وأنشطتها الاجتماعية ففتحت لها الأبواب.

*باحث وأستاذ جامعي