فلسطين الشتات... في البدء كانت النكبة (1- 8)

15 مايو 2018
الصورة
على بعد 70 عاماً عن النكبة (سعيد خطيب/فرانس برس)
+ الخط -
هذا العام، يصادف الذكرى السبعين على الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين وتشتيت شعبها داخل وخارج وطنه. وبالتزامن مع ذكرى النكبة يبدو اعتراف رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب أواخر العام الماضي بالقدس "عاصمة لإسرائيل" وكأنّه تحضير لنكبة جديدة. الفلسطينيون مشتتون بين الأراضي المحتلة عام 1948 والأراضي المحتلة عام 1967 ودول الجوار، وتضيق عليهم، يوماً بعد يوم، أحلام العودة إلى وطنهم، وتأسيس الدولة الفلسطينية المستقلة، كما تضيق عليهم بلدان اللجوء بحروبها أو بقيودها القانونية


مرّت العام الماضي الذكرى المئوية على وعد بلفور الذي صدر في غمرة الحرب الكونية الأولى عام 1917. حمل الوعد معه حرب النكبة عام 1948، أي قبل سبعين عاماً حيث كان التهجير الأول، بعد التدمير لمئات القرى والمدن الفلسطينية، وبالتالي نشوء المخيمات بدءاً من عام 1950 بعد مرحلة الخيام التي أوى إليها اللاجئون داخل فلسطين، وخارجها في ما تسميه الأونروا "الدول العربية المضيفة" في كلّ من الأردن وسورية ولبنان والعراق.

لكنّ الكارثة الأخيرة كانت مع صدور وعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب وقراره الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، وعزمه على نقل مقر السفارة الأميركية إليها. سبق ذلك ورافقه انتقال الفلسطيني من لجوء المخيم إلى شتات عواصم الدول الأوروبية والعالم، ما يعني أنّ موجة جديدة من التهجير تتأهب لتطل برأسها مع التوجه الصهيوني المعروف بإعلان يهودية الدولة العبرية، والعمل الأميركي على دعمها وترسيخ مقوماتها، بما يقود إلى تثبيتها في قلب المنطقة العربية كياناً يهودياً صافياً. يتكامل ذلك مع الحديث المتواتر عن إعادة ترسيم خرائط العديد من الدول العربية، ليصبح معه الكيان الصهيوني هو الأصل، وما سواه ليس أكثر من كيانات متخلفة ومشوهة ومتحاربة أبداً في ما بينها وملحقة في مداره.



الحقيقة أنّ التهجير الأول عام 1948 فتح الباب للتهجير الثاني عام 1967 عندما استكملت إسرائيل سيطرتها على كامل التراب الفلسطيني، مضافاً إليه كلّ من سيناء والجولان من مصر وسورية، فضلاً عن الضفة الغربية التي كانت في حينها ملحقة بالمملكة الأردنية، وفي القلب منها مدينة القدس، أو القطاع الشرقي منها، علماً أنّ قرار التقسيم الذي اتخذته الأمم المتحدة عام 1947 وضع مدينة القدس تحت إدارة دولية باعتبارها مركز الأديان الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلامية. وكان من مضاعفات حرب الأيام الستة (1967) على الشعب الفلسطيني وما رافقها من توسع صهيوني، أن قذفت بالمزيد من اللاجئين نحو الدول العربية وغيرها.

وطن المخيم

إذاً، عرف الفلسطينيون حياة اللجوء منذ تلك المرحلة المبكرة، وما زالوا "يغذون" سيرهم في تلك الرحلة في ديار دول العالم الواسعة، بعدما ضاقت بهم الأرض العربية التي آوتهم خلال تلك العقود، وعجزت عن قبول استمرار واستيعاب وجودهم في المرحلة الراهنة من الفوضى الكيانية، تاركة لهم سقفاً يؤيهم وحائطاً يتكئون عليه. ومعه يمكن القول إنّ "الفلسطيني التائه" بات أسير المشروع الصهيوني على أرضه في فلسطين من جهة، وجملة الأوضاع العربية التي تقذف هذه الأيام ما في جوفها من حمم، فيكون الضحية المجهولة في المقام الأول من جهة ثانية، إذ سيأتي يوم يعود فيه السوري إلى سورية، والعراقي إلى العراق، والليبي إلى ليبيا، وكذلك اليمني... كلّ يعود إلى بلاده، عاملاً على إعادة إعمارها، بينما عودة الفلسطيني تنتصب أمامها حدود وأسوار جدار العنصرية الإسرائيلي والعجز العربي المقيم.

حلم العودة ما زال على حاله (راتب الصفدي/ الأناضول)


تآلف الفلسطيني مع المخيم حتى ظنه وطنه المسلوب، وعاش بين ربوعه وأحيائه، وكأنّه يقيم كما كان في قريته وبلدته وبين أقاربه وجيرانه في فلسطين. وفي المخيم حافظ على هويته الوطنية والمحلية الصغيرة من الذوبان، وتناقل تراثه الشفهي وخبريات وأسماء القرى وقصصها، وروى الكبار للصغار حكايتهم التي توارثوها عن أجدادهم. بالتأكيد شهد المخيم منذ كان مجرد مجموعة خيم منحها للاجئيه الصليب الأحمر الدولي، قبل أن تتأسس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى- الأونروا، وحتى اللحظة، تغييرات كبرى على الصعد السكانية والاجتماعية، فقد ماتت أجيال ونشأت أجيال محلها، لكنّهم جميعاً اتفقوا على التعبير عن التمسك بهويتهم الفلسطينية البعيدة، وهويتهم الدامية كلاجئين في مخيم، ومعها جملة تقاليد المجتمع الفلسطيني بما فيه تلك التي تم نقلها من أرض فلسطين وظلت حاضرة في الذاكرة لا ترحل أو تذوي.

بخلاف شعوب أخرى، لم يعرف الفلسطيني اللجوء الطوعي كالذي مارسه اللبنانيون مثلاً الذين قصدوا بلاد الاغتراب في الأميركيتين أو سواهم منذ عشية الحرب الأولى حتى الآن. دوماً كان الفلسطيني ضحية اللجوء أو الهجرة الاضطرارية، فقد وضعت الحركة الصهيونية رقبته على حد السكين وقذفته إلى المنافي البعيدة. ومن عمد إلى النزوح داخل أرض فلسطين وبنى بين مدنها وقراها ملجأً صار في ما بعد مخيماً طاردته ثانية وثالثة.

الثورة

أولئك الذين قصدوا الدول العربية الحدودية لهم قصة أخرى يروونها لأبنائهم. فقد ثار المخيم في منتصف الستينيات وانضوى الفلسطيني المعذب، تحت صفائح الزنكو أملاً في أن تقيه المطر والصقيع والحرارة والشمس، في صفوف الثورة وحمل السلاح من أجل تحقيق حلمه بالعودة إلى الأرض التي غادرها أبوه وأجداده وليس معهم أكثر من صرة ثياب ومفتاح الدار وسندات طابو الأرض التي يملكونها من الدولة العثمانية بداية، ودولة الانتداب البريطاني ثانية.

في مخيم جباليا (مجدي فتحي/ Getty) 


حمل هذا الفلسطيني السلاح من أجل العودة إلى دياره، وعندما فقدت الدول العربية الكرامة وانهارت المؤسسات العسكرية النظامية وتعرضت للهزيمة، ضاعف من انخراطه جاهداً لتعديل الموازين المائلة لغير صالحه... وفي خضم المعركة قدم الغالي والنفيس، لكنه لم يتقدم شبراً واحداً، فقد تعرض للامتحان العسير في كلّ من الأردن ولبنان، بينما كتمت سورية الأسد الأب أنفاسه وقررت تحويله إلى ما يشبه السندات التي تحملها في سوق بورصة المساومات السياسية.

أعلام فلسطين (أحمد غرابلي/ فرانس برس) 


لم يجرِ الفلسطينيون إحصاءً لعدد الشهداء، ولم يحصوا عدد الجرحى والمشوهين والمعوقين وكم دفعوا من خسائر مادية. لم يفعل الفلسطيني ذلك كله، ولم يستغرق في المأساة، كان همه هو أن يقف ثانية على قدميه رغم الجراح الثخينة التي تغطي جسده من أخمص القدم حتى مفرق الرأس. عاود الانكفاء إلى المخيم، والمخيم مثله مثل أي موئل بشري تسكنه فئات عدة، منهم الميسورون وهم قلة بالتأكيد، فغالبية هذه الفئة رفضت الإقامة فيه والحياة بالتالي في الخيام والشوادر، حتى تحت رعاية المجتمع الدولي والشاهد الأممي ممثلاً بالأونروا. ومنهم الطبقة الوسطى التي أقامت في المخيم وفي الأحياء الشعبية في المدن والقرى. والفئة الثالثة وهي التي استقرت في المخيم وحده وجعلت منه مركزاً لحياتها السياسية والنضالية ومستودعاً لذاكرتها وهمومها الخاصة جرّاء ما تعرضت له من استعمار استيطاني أطاح بها بعيداً عن جذورها. ولأنّ المخيم قام بهذه الوظائف الحيوية والحساسة كانت العين الإسرائيلية دوماً عليه لاجتثاثه من جذوره. ودوماً وجد الفلسطيني نفسه محكوماً بالدفاع عن هذه البقعة الصغيرة. كلنا يذكر تلك الأقوال التي راجت خلال الحروب الإسرائيلية - العربية حول جعل أراضي بعض المخيمات حقولاً لزراعة البندورة وغيرها، خلاف ما هي عليه من مكان تجمع للطاقة البشرية الفلسطينية المكلومة. من هنا يمكن فهم سلسلة المجازر التي أخذت أسماءها من أسماء المخيمات التي نفذت فيها وعلى ناسها من لاجئين ومن معهم من مواطنين نازحين. كان المخيم هو مركز ثورة الخارج من أجل الداخل، فتم كسرها بعد حروب وحروب. حاول الفلسطيني أن يعتبره وطنه البديل فصبر على الحياة المرّة بين حواريه مكتفياً بما كانت تجود به الدول المانحة عبر الأونروا من فتات، على أمل أن يجيء الانتصار بعد طول انتظار، لكنّ ما حدث كان خلاف هذا الأمل الوردي.

نكبة جديدة

والآن... الآن وليس غداً، تجب إعادة قراءة الحاضر وليس استعادة الماضي على أهمية ما شهده من أحداث وما عرفه من عِبر. تبدو الصورة الآن على النحو الآتي: تضاعف إسرائيل من حمّى الاستيطان اليهودي في عموم الضفة الغربية، وتسلط نارها وحديدها على قطاع غزة فتحيله ركاماً، وتعلن الحكومة اليمينية أسبوعياً عن مشاريع بناء مستوطنات أو شرعنة البؤر القائمة وتحويلها إلى مستوطنات، فضلاً عن بناء أحياء يهودية في المدن الفلسطينية الرئيسية وبالأخص القدس والخليل ونابلس وغيرها. والواقع أنّ إسرائيل أفادت من "الفوضى الخلاقة" وحروبها المستعرة لتشديد ضغطها على الفلسطينيين الصامدين في بلادهم، وتسعى حالياً إلى مضاعفة هذا الضغط على الضفة والقطاع من أجل الاعتراف بيهودية الدولة كشرط مسبق لأيّ مفاوضات. وهو شرط يدرك الفلسطينييون أنّه السبيل القاتل نحو نكبة جديدة، باعتباره المدخل نحو تنفيذ سياسة "ترانسفير" خصوصاً لأولئك الذين يعيشون في أراضي فلسطين العام 1948، وبعدها يأتي دور الباقين من سكان "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية المحتلة). إذاً، الممر الذي تعتمده حكومة الاحتلال يقود إلى الاعتراف بشرعية إسرائيل وتمهيد الطريق لجعلها خالية من غير اليهود باعتبارهم من "الأغيار" الذين يتوجب طردهم من أرض إسرائيل الموعودة من الرب وترامب معاً. وعليه، يصبح المجال واسعاً لحضور كلّ يهودي على وجه الأرض إليها باعتباره من مواطني هذه الدولة، بينما يطرد الفلسطيني من داره وأرضه.



ينبغي النظر إلى مسألة الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة إسرائيل التي أعلنها ترامب من منظار أنّها خطوة رئيسية لا بد منها للاعتراف بيهودية الكيان الصهيوني، ما يعني التراجع بوضوح وإنكار حق اللاجئين بالعودة إلى ديارهم كما نصّت القرارات والمواثيق الأممية والدولية لا سيما القرار الأممي رقم 194. وكلّ هذا يمهد لتصفية القضية الفلسطينية من خلال تكريس شتات الشعب الفلسطيني سواء أكان من داخل الدولة العبرية أو من خارجها عبر قطع الطريق على تحقيق حلمه الذي دفع من أجله الكثير من الدم والجراح والجهد والمعاناة. ما لا تفعله إسرائيل بأجهزتها المدنية والعسكرية وضغوطها الاقتصادية تتولاه الدول والقوى العربية كما حدث في غضون السنوات السبع الماضية، فتحت ضغط الكارثة الأمنية التي تعيشها العديد من كيانات هذه الدول التي "استضافت" الفلسطيني اللاجئ في مراحل زمنية متقادمة، قبل أن تتراجع الحركة القومية، وتخلي المجال للتيارات والقوى التكفيرية والطائفية وبقايا السلطات القمعية، باتت الهجرة واللجوء منها إلى دول الشتات البعيدة أكثر من قرار فردي، إذ أصبح أشبه ما يكون بحالة من الهرب الجماعي من طاعون سياسات وممارسات هذه السلطات والقوى مجتمعة وإن تفرقت في المتاريس. وبالطبع كان نصيب المخيم وسكانه هو الأوفر في الاستهداف من سواه ما دامت الأنظمة والقوانين مستباحة، ومعها وقبلها بالطبع ذلك الشعور الجمعي الذي دفع مواطني هذه الدول وشعوبها إلى المساهمة في الدفاع عن عروبة فلسطين، وفتح أبواب بيوتهم لاستقبال اللاجئين أخوتهم في العروبة والقومية، وإتاحة المجال أمامهم للعمل والإقامة والتعلم والحصول على الخدمات الصحية والاجتماعية وغيرها.

بات المخيم بصورته الراهنة مجرد رأس جسر عبور البحر المتوسط نحو أوروبا وغيرها من دول العالم التي تقبل أو لا تقبل حتى بلجوء الفلسطينيين إليها، من خلال فرض الأمر الواقع عليها. وفي دول الشتات البعيدة يفقد الفلسطيني ارتباطه بالمخيم وحكاية اللجوء من فلسطين ليحاول الانخراط في حياة وثقافة وهموم مجتمعات جديدة بعيدة جداً عنه باللسان والعادات والتقاليد والثقافة، والأهم بالحلم الذي طالما اختزنه في صدره وراوده دوماً ودفع غالياً لتحويله إلى واقع على الأرض البعيدة القريبة.

(باحث وأستاذ جامعي)

المساهمون