فلتان أمني بمناطق النفوذ التركي في سورية: أسباب وتداعيات

فلتان أمني بمناطق النفوذ التركي في سورية: أسباب وتداعيات

02 مايو 2020
الصورة
تكرار التفجيرات بعفرين يكشف عن ضعف التدابير الأمنية (Getty)
+ الخط -
لم يكن سكان المناطق التي تقع تحت سيطرة فصائل المعارضة في شمال سورية، والتي باتت منطقة نفوذ تركي بلا منازع، بحاجة إلى تفجير كبير، كالذي حدث في مدينة عفرين الثلاثاء الماضي، ليعرفوا أن الفوضى والفلتان الأمني يميزان هذه المناطق. لكن هذا الهجوم الدموي غير المسبوق، والذي أودى بحياة العشرات بعد انفجار صهريج مفخخ في سوق مزدحم، ربما يدفع باتجاه حدوث تبدل في السياسة التركية إزاء ما يحدث، خصوصاً لجهة الاعتماد على فصائل تلاحقها اتهامات بالفساد وارتكاب تجاوزات بحق المدنيين.

وفي أحدث ردود الفعل الغاضبة على ما حدث في مدينة عفرين من اختراق أمني كبير، دفع المدنيون ثمنه، طالب "اتحاد الإعلاميين السوريين" في شمال سورية باستقالة قادة "الجيش الوطني السوري" التابع للمعارضة والمسيطر على المنطقة، محمّلاً "قادة الفيالق في هذا الجيش" إضافة إلى مسؤولين آخرين المسؤولية الكاملة عما حدث. ولفت، في بيان نشر الأربعاء الماضي، إلى أنه "يبدو أن هذه التفجيرات مرتبطة تماماً بفساد منظومة الفصائل، فضلاً عن ممارستها كل أنواع التجاوزات عبر معابر التهريب، غير آبهة بدماء السوريين المُراقة على مذابح تلك المعابر". وطالب الحكومة التركية "التي تخضع المنطقة إلى نفوذها العسكري والأمني، بتحمّل مسؤوليتها في ضبط أمن المنطقة، والتي تشمل مدينة عفرين وباقي المناطق التي يسيطر عليها الجيش الوطني في ريف حلب".

ومنذ سيطرة فصائل المعارضة السورية، بدعم من الجيش التركي، على عفرين في ريف حلب الشمالي الغربي مطلع العام 2018، لم تهدأ الأوضاع في هذه المنطقة، ذات الغالبية الكردية من السكان، حيث تضرب تفجيرات، تُتهم "وحدات حماية الشعب" الكردية بالوقوف خلفها، ما يؤكد حالة الفوضى والفلتان الأمني بسبب تراخي القبضة الأمنية للفصائل وانشغال أغلبها بالتجاوز والاعتداء على الأملاك الخاصة، والاعتقال خارج القانون والقتل، تحت عدة مبررات أبرزها الاتهام بالتعاون مع "الوحدات" الكردية.

وذكر "المرصد السوري لحقوق الإنسان" أن الأهالي عثروا، الأربعاء الماضي، في قرية قطمة بريف عفرين على جثة امرأة مجهولة الهوية ملقاة في الأراضي الزراعية وعليها آثار طلقات نارية. وتعد منطقة عفرين أبرز نموذج للتسيب الأمني والاعتداء على المدنيين، إذ سُجل خلال أكثر من عامين مئات الانتهاكات بحق سكان المنطقة من الأكراد والمهجرين إليها. وانتشرت في المنطقة مجموعات تمتهن الخطف من أجل الفدية، وأخرى للسيطرة على منازل ومزارع اضطر أصحابها إلى مغادرتها نتيجة ظروف الحرب أو الخشية من عمليات انتقام. ورغم الاهتمام التركي بالجانب المدني، إلا أن أنقرة لم تول الجانب الأمني ما يستحق من أهمية، واعتمدت على فصائل المعارضة التي لا تملك خبرة كافية في ظل عجز "الجيش الوطني" عن ردع مجموعات منفلتة تمارس الانتهاكات بسبب عدم وجود جهات يمكن أن تحاسبها.

منطقة "درع الفرات"

وعلى الرغم من أن الوضع يبدو أفضل حالاً في منطقة "درع الفرات"، التي تضم مساحات شاسعة في ريف حلب الشمالي والشمالي الشرقي، ومدناً وبلدات كبرى مثل الباب وجرابلس، إلا الفلتان الأمني حاضر في هذه المنطقة التي بقيت لفترة طويلة تحت سيطرة تنظيم "داعش". وأكدت مصادر محلية، لـ"العربي الجديد"، عدم وجود إدارة ناجعة لهذه المنطقة التي تُحكم مباشرة من قبل فصائل ومجموعات مسلحة، في ظل غياب الحكومة السورية المؤقتة، والتي من المفترض أنها تشرف على "الجيش الوطني"، مضيفة "لكل فصيل منطقة نفوذ في درع الفرات". وأوضحت المصادر أن الجانب التركي لا يتدخل بشكل مباشر، و"هو ما يترك المجال أمام فصائل باتت معروفة لممارسة شتى أنواع الانتهاكات". وأشارت إلى أن أغلب السيارات المفخخة تمر إلى منطقة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" من المعابر التي تربط المنطقتين بمناطق سيطرة "قسد".


وفي حديث مع "العربي الجديد"، أوضح الصحافي السوري عبد الله سليمان، وهو من أبناء منطقة "درع الفرات"، أن "الوضع الأمني، وعلى الرغم من مرور عامين على استعادة المنطقة من تنظيم داعش، لا يزال غير مستقر ولا يشجع على عودة الناس". وأشار إلى أن مقرات الفصائل لا تزال داخل المدن والبلدات، موضحاً أن عدداً من عناصر هذه الفصائل وضعت يدها على منازل، خصوصاً في بلدة الراعي ومدينة الباب. وبيّن أن بعض الفصائل تفرض إتاوات، وتقوم بعمليات تهريب مواد غذائية وبترولية، وحتى السلاح، إلى مناطق "قوات سورية الديمقراطية" (قسد) والنظام. وأكد سليمان وجود حالة تغول من الفصائل في الحياة المدنية في منطقة "درع الفرات"، مضيفاً "تقلد بعضهم مناصب قيادية دون أي مؤهلات، بل تعدى ذلك إلى الحياة المدنية وجهاز الشرطة والمجالس المحلية وبعض المؤسسات. ونتيجة التسيب الأمني، ضربت منطقة درع الفرات عدة تفجيرات على مدى العامين الأخيرين، اتُهم تنظيم داعش، والوحدات الكردية، التي تتمركز غير بعيد عن المنطقة في منبج غربي نهر الفرات، بالوقوف خلفها".

منطقة "نبع السلام"

ولم تكد تمضي أشهر عدة على سيطرة فصائل المعارضة السورية على المنطقة، الممتدة ما بين مدينتي تل أبيض في ريف الرقة الشمالي، ورأس العين في ريف الحسكة الشمالي الغربي، شرق نهر الفرات، حتى بدأت انتهاكات الفصائل بحق المدنيين تطفو إلى السطح. ووصلت هذه الانتهاكات إلى حدود القتل وتعذيب معتقلين.

وبيّنت مصادر محلية، لـ"العربي الجديد"، أن فصائل المعارضة السورية سيطرت على مراكز تخزين وتوزيع الحبوب، إضافة إلى أراضٍ زراعية ومنازل، مشيرة إلى أن فصائل معينة لا تتوانى عن فعل أي شيء من دون تدخل تركي لردعها. ووفق المصادر فإن انشغال الفصائل بعمليات النهب وتقاسم النفوذ يؤدي إلى خروقات أمنية كبيرة. ولفتت إلى أن سيارات مفخخة عدة ضربت المنطقة آتية من مناطق "قسد"، أبرزها الانفجار الذي ضرب تل أبيض في فبراير/شباط الماضي وأدى إلى مقتل وإصابة العشرات من المدنيين. ونوهت إلى أن المدينة كانت شهدت انفجار سيارة مفخخة أواخر العام الماضي أدى إلى مقتل 13 مدنياً، بالإضافة إلى تفجيرات أخرى في المدينة وفي بلدة سلوك القريبة منها، وفي رأس العين. كما أن منطقة "نبع السلام" تشهد في الآونة الأخيرة اقتتالاً بين فصائل المعارضة السورية على النفوذ، خصوصاً بين "أحرار الشرقية" و"الفرقة 20".

وصب الشارع السوري المعارض جام غضبه واستياءه على فصائل المعارضة التي لم تستطع ضبط الأمن، بشكل يؤمن حماية المدنيين. وأقر القيادي في فصائل المعارضة مصطفى سيجري، في حديث مع "العربي الجديد"، بوجود خرق أمني كبير سمح بدخول الصهريج المفخخ إلى مدينة عفرين الثلاثاء الماضي. وقال "هناك ضعف في الإمكانات والمعدات، وتقصير من قبل القوى المعنية بحماية المنطقة بسبب غياب القيادة الموحدة وغياب الإدارة المركزية".

من جانبه، أشار القيادي في فصائل المعارضة العميد فاتح حسون إلى أنه "لا يمكن فرض السيطرة واستتباب الحالة الأمنية في سورية إلا عبر تكريس حل سياسي مُلزم لجميع الأطراف". وقال "في حالة مناطق غصن الزيتون ونبع السلام ودرع الفرات يمكن أن نضيف أسباباً أخرى من شأنها أن تكون عاملاً مساهماً في زعزعة الحالة الأمنية، وهي عدم وجود أجهزة أمنية كافية ومؤهلة للقيام بمهام، تحتاج لتدريب وتأهيل عالي المستوى وتخصصي إلى حد بعيد". وأشار إلى أن "البيئة الأمنية وإدارة المناطق تختلفان اختلافاً كلياً عن إدارة المعارك والمربعات الأمنية المغلقة والمناطق العسكرية، حيث يصبح الأمر أكثر صعوبة وتعقيداً، بسبب وجود السكان المدنيين ومعابر ومنافذ تجارية تقتضي التعامل مع العديد من السيناريوهات الأمنية". ورأى حسون أن "هناك دولاً تعجز عن تغطية هذه الناحية في ظروف أقل تعقيداً من الأوضاع في هذه المناطق"، مضيفاً "لا نستطيع أن نتجاهل أن الذين يقومون بهذه العمليات يعرفون المناطق التي ينشطون بها معرفة جيدة، فوحدات الحماية الكردية وحزب العمال الكردستاني لهم تاريخ حافل بمثل هذه العمليات التي أحبط الكثير منها في وقت قريب".

وعلى الرغم من حالة الفلتان الأمني في المناطق الثلاث، لم تتحرك الحكومة التركية بعد لوضع حد لهذا الأمر، رغم المناشدات المتكررة من قبل المدنيين الذين ضاقوا ذرعاً بتجاوزات بعض فصائل المعارضة بحقهم. وفي هذا الصدد، قال الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو إن "مشهد الانفلات الأمني لا يزال يمثل السمة الأبرز في المناطق المحررة في سورية، وتحديداً تلك الخاضعة لسيطرة المسلحين المدعومين من تركيا، سواء من حيث استمرار عمليات التفجير أو المشاجرات والاقتتال المتبادل الذي أدى إلى مقتل وإصابة أعداد كبيرة من مسلحي الفصائل". وأشار، في حديث مع "العربي الجديد"، إلى أن "كثرة التفجيرات في عفرين، والمناطق المحررة واستهداف المدنيين، خلال الأشهر الأخيرة، إشارة واضحة على الصعوبة التي تواجهها أنقرة بالتعامل مع القوى السياسية والعسكرية المتصارعة في المنطقة". وأضاف أن "تكرار التفجيرات في عفرين يدل بصورة واضحة على وجود ضعف كبير في التدابير الأمنية المتخذة في تلك المناطق وسهولة (اختراقها)، فضلاً عن قلة الخبرة لدى الجهاز الأمني وقيادات (الجيش الوطني) في تلك المنطقة". وتوقع عودة أوغلو أن ترسل أنقرة المزيد من عناصر الشرطة، مع استمرار الانفلات الأمني في عفرين، مشيراً الى أن الشرطة التابعة للمعارضة السورية "عجزت عن ضبط الأوضاع الأمنية في تلك المنطقة رغم الدعم غير المسبوق الذي تغدقه عليهم السلطات التركية، ورغم كل التدريبات المكثفة التي تلقتها سابقاً داخل الأراضي التركية على أيدي كبار الضباط الأتراك".

المساهمون