فقهاء في المحكمة الاتحادية العراقية: القضاء تحت رحمة الأحزاب

21 يوليو 2019
الصورة
تختلف أحزاب السلطة على أسماء الفقهاء بالمحكمة(صباح عرار/فرانس برس)

أكدت مصادر رفيعة المستوى داخل البرلمان العراقي، أن مشروع قانون المحكمة الاتحادية (أعلى سلطة قضائية) سيُقدم من أجل التصويت عليه خلال أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، بعد أن تعطل لسنوات، بسبب خلافات حادّة بين مختلف القوى السياسية العراقية بشأن بنوده. وستكون المحكمة، وفقاً لمسوّدة القانون الجديد، الجهة الفيصل في مختلف المشاكل والخلافات داخل البلاد، بما فيها إقليم كردستان، إضافة الى تمتعها بصلاحيات دستورية تفوق صلاحيات رئيسي الوزراء والجمهورية، وتكون قراراتها ملزمة للجميع.

وقالت المصادر لـ"العربي الجديد"، إن "اللجنة القانونية في البرلمان أنهت مناقشاتها بشأن المشروع، وتركت ملاحظاتها، ومن ضمنها ما يتعلق بأبرز نقطة خلافية، وهي تعيين فقهاء بالشريعة الإسلامية كأعضاء مراقبين لسير العمل القضائي والنظر في الملفات وإبداء وجهة نظر الدين. وتختلف أحزاب السلطة على أسمائهم، وطريقة اختيارهم من الوقفين السني والشيعي، بالإضافة إلى ملاحظات تتعلق بآلية اختيار الأعضاء ورئيس المحكمة، مع إبراز تخوّف اللجنة من الاستقلالية في المحكمة الاتحادية، بسبب تسلط الأحزاب، ما يؤدي إلى فوضى كبيرة وعدم احترام لهيبة القانون والقضاء، وهو ما يجعل تمرير القانون بصيغته الحالية أمراً غير محسوم".

ويُثير مشروع تعديل قانون المحكمة الاتحادية العراقية جدلاً واسعاً واعتراضات داخل الأوساط السياسية والقضائية، فضلاً عن التيارات المدنية والمنظمات، ورفض شديد من قبل ممثلي الأقليات الدينية والعرقية، ومنهم المكون المسيحي، مع احتمالات مؤكدة بأن الموافقة عليه في شكله الحالي، وهو ما تباركه أحزاب السلطة، سيُحول العراق إلى دولة دينية على عكس ما نص الدستور بأن العراق دولة مدنية. يشار إلى أن مشروع القانون يظهر في كل دورة برلمانية، إلا أنه يشهد مناقشات حادّة واعتراضات شديدة من قبل الكتل التي تتوجس من أن تكون المحكمة الاتحادية مستقلة ومطلقة الصلاحيات، بسبب ملفات الفساد والانتهاكات التي تلاحق رموزاً وأعضاء في تلك الكتل. إلا أن الاعتراضات الأخيرة جاءت رفضاً لإشراك فقهاء بالشريعة الإسلامية، وهم أربعة، اثنان من المكون الشيعي واثنان من المكون السني، يكونون أعضاء جدداً في المحكمة المكونة من تسعة قضاة، في الوقت الحالي.

وأشار عضو اللجنة القانونية في مجلس النواب العراقي سليم همزة، إلى أن "مشروع قانون المحكمة الاتحادية في غاية الأهمية، والدستور العراقي ينص في مادته الأولى على عدم جواز إصدار أي قانون يتعارض مع ثوابت الشريعة الإسلامية، لذا فإن اختيار الفقهاء هو مصدر أساسي بالقانون، على أن يكون الفقهاء من خارج الوقفين الشيعي والسني. لذلك طالبنا بعد قراءة المشروع بأن يتم تنصيب فقهاء مستقلين، وأن يكون لهم خبرة وحاصلين على شهادات بالفقه المقارن، لأن وجودهم في المحكمة أمر ضروري، وبعض القوانين تحتاج إلى توضيح من قبل الدين والشريعة". وأضاف لـ"العربي الجديد"، أن "هناك أحزاباً تسعى إلى نيل مناصب الفقهاء، وتوجد حالياً منافسة شديدة قد تؤدي إلى خلافات، وتحديداً من الأحزاب الشيعية نظراً لكثرة المراجع الدينية في المذهب. أما السنة، فهناك خلاف أيضاً على تحديد من سيكون فقيهاً عن الكرد وعن العرب السنة". ولفت إلى أن "كتلاً سياسية داخل البرلمان تُفضل أن يكون الفقهاء مستقلون، وأن يكونوا غير متهمين بالفساد والطائفية والتشدد المذهبي والقومي، ويملكون سيرة نزيهة، لأن اختيارهم على أساس المحسوبية الحزبية والمحاصصة المقيتة، واختيار علماء السلاطين، سيؤثر على القرارات وقوانين المحكمة بما يخدم الأحزاب، ووقتها سنقرأ على القضاء السلام".



من جانبه، بيَّن النائب السابق جورج صليوا أن "الأحزاب الإسلامية في العراق تريد تحويل البلاد إلى ولاية فقيه، وتحويل العراق إلى نظام يشبه النظام في إيران"، موضحاً لـ"العربي الجديد"، أن "الأحزاب التي تملك تمثيلاً في البرلمان العراقي تدفع إلى تسمية رجال دين بصفة فقهاء، وهو تطور عكسي في تاريخ العراق المدني، الذي يحترم حرية الإنسان وتوجهاته الدينية". وشدد على أن "القضاء لا بد أن يبقى بعيداً عن سلطة رجال الدين، فالفقهاء مكانهم في الجوامع والكنائس، وللقضاء قضاة ينظرون بقضايا العباد". وأوضح: "في البرلمان العراقي نواب شجعان سيرفضون هذا القانون، بالإضافة إلى القوى الوطنية ومنظمات المجتمع المدني والمراقبين، فهم تقع على عاتقهم مسؤولية الضغط من أجل عدم تمرير تشريع القانون بصيغته الحالية، وفضح الأحزاب التي تريد الاستيلاء على أعلى دائرة قضائية في العراق".

بدوره، أوضح الخبير في القانون طارق حرب أن "الدستور العراقي لم ينص على اختيار فقهاء بالشريعة الإسلامية ليكونوا أعضاءً في المحكمة الاتحادية، إنما نص على وجود خبراء بالفقه الإسلامي. وهناك اختلاف في عمل وشروط كل من الخبير والفقيه، فالخبير قد يكون رجلاً أو امرأة، وقد يكون غير مسلم، أما الفقيه فيشترط أن يكون رجلاً وأن يكون مسلماً، وهذا ما أوضحه الدستور، ولكن الأحزاب الحالية وبعض النواب في البرلمان العراقي، لا يفقهون الفرق بين المصطلحين". وأكد، لـ"العربي الجديد"، أن "اختيار فقهاء، وجعلهم في مراكز مهمة في المحكمة الاتحادية قد يؤثر على سير بعض القوانين، ولا سيما التي تربط بغداد وإربيل، فضلاً عن أمور مثل الكحول وغيره، فالدستور العراقي لا مشكلة لديه مع الكحول، والدليل أن الدولة تفرض عليه ضريبة 20 في المائة، ولكن مع وصول الفقهاء إلى الحكم، قد تُحرم المشروبات الكحولية وتُحظر، وهنا ستقع المحكمة الاتحادية في مخالفات صريحة للدستور".

وشكلت المحكمة الاتحادية العليا، أعلى سلطة قضائية في العراق، عام 2005، بقرار وزاري آنذاك. وتتمثل مهامها بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة، وتفسير نصوص الدستور، والفصل في الخلافات عند تطبيق القوانين الاتحادية، بالإضافة إلى الفصل في الاتهامات الموجهة إلى رؤساء الجمهورية ومجلس الوزراء والنواب وأعضاء الحكومة والبرلمان، والمصادقة على النتائج النهائية للانتخابات العامة لعضوية مجلس النواب، وغيرها من المهامّ الحساسة. وتعمل المحكمة الاتحادية منذ ما يزيد عن 13 سنة من دون قانون خاص بها، إنما من خلال تشريعات دستورية وقانونية، تمنح القضاء سلطة عليا في البت بالخلافات والمشاكل داخل البلاد.

واعتبر عضو التيار المدني العراقي وليد الغراوي "إضافة فقرة حشر رجال الدين في المحكمة محاولة لأسلمة الدولة ومنحها طابعاً دينياً معيناً، رغم أن البلاد متنوعة الطوائف والأعراق". وقال: "هي محاولة لإعادة الطعن بقوانين وتشريعات سابقة لإعادة صياغتها أو تفسيرها، فالشريعة الإسلامية تُحرم الخمر وبعض أنواع اللحوم، وفيها تشريعات تتعلق بالزواج والطلاق والولاية وغيرها. فهل المحكمة، بعد إقرار القانون، ستقبل شكوى أحدهم بمنع بيع وصناعة الخمور ومحاسبتهم، أو منع خروج المرأة إلا بولي أمر كما تفعل السعودية اليوم على سبيل المثال؟"، معتبراً أن "هدف الأحزاب الحالية من محاولة أسلمة كل شيء هو للاستمرار في الواجهة ولا يوجد تفسير آخر".